قراءة لنصين من نتاج الحضارة المادية عبر قناتها المدللة والأكثر سطوة “هوليوود”

على مفترق طريق الثقافة يسيرون في تخبط، يبحثون عن الشغف المفقود، عن الإنسان الضائع. قاموا بتغيير المُقدمات. النتيجة واحدة بُمبرراتها المختلفة، إما الموت أو الموت!

الأولى: دفعها الهوى، شتات الفكر، جدال المُشككين ممن يرغبون في إدعاء أن الحقيقة غير موجودة، يحاولون كشف العالم بإيجاد زوايا مختلفة للنظر، يظنون أن الحقيقة في الاختلاف!

الثانية: كانت قصاصة هزلية منزوعة الثقافة أشبه بسماجة الكنيسة المُلحقة ببلاط الملك. حينما تلجأ الحضارة للدين كوسيلة لاتقاء ضربات مخلفاتها – نظرية ستالين الخالدة-، فيصبح الطقس الشعائري مُختصرًا في جُملتين:

ليبارك الرب الأمة الجديدة، ليبارك الرب الآباء المؤسسين.

******

“العدمية المُطلقة التي تقبل بتسويغ الانتحار, تُسرع بمزيد من السهولة أيضًا إلى القتل المنطقي”.
ألبير كامو

******

The Sunset Limited

عندما خرج الأول الباحث عن الانتحار كحل للخلاص من عفن الحاضر، لم يُخبر الثاني الحائر بما انتوى. تاركًا إياه على أريكته الحمراء في حيرة الباحثين عن المعاني المسلوبة من أفواههم. متسائلاً! لماذا منعها عنه الإله وهو يروج له وأعطاها لمنافسه، كيف جعله منتصرًا بثقافته – سبب شقاء الإنسانية-، كيف أعطاه المعرفة المدمرة للروح والخير، كيف تركه يستزيد منها ليصبح أكثر بؤسًا وشقاءً؟ تذكر كلماته وهو على شفير البكاء جزعًا.

تردد صوت الراحل في الفراغ:

“ما الذي يجبرك على العيش هنا؟ غرفة بدائية قابعة في بناء خرساني متعدد، بجوار هؤلاء الأوغاد دائمي الشجار, الغارقين في الثمالة حتى الموت، يمنعهم عن ذلك إيمانهم بوجود الإله! لماذا منعتني من الانتحار؟ هل تعتقد بوجود الإله، ما هو الدين؟ صوت دورية الشرطة المهيمن على الموسيقى التصويرية هنا يتردد في آلية بلا توقف. يعبر من حين لآخر زجاج النافذة التي تفصلنا عن الخطر. يُنبئ عن جريمة أُخرى في صخب. العالم عبارة عن معسكر للعمل الإجباري حيث إن العمال بريئون تمامًا، يتم اختيار عدة أشخاص منهم كل يوم ليتم إعدامهم”.

تذكر إجاباته في – حسرة- حول البقاء، المحاولات الدؤوبة للتغيير، جعل العالم مكانًا أفضل، الإنصات لحديث الإله في الكتاب المُقدس، عن إيمانه العميق والسعادة المصطنعه، عن أهمية الدين في الإبقاء على حيوات الناس في كل رحلة من رحلات القطار المغادر للأرصفة.

انتهى المشهد بتلك النهاية المفتوحة, لم يُحدد الإنسان الحضاري وجهته, ولم ينبئ الآخر بشيء يدل على نواياه في تغيير الاعتقاد. لكن الرحلة لم تنتهِ على الأرجح!

The Purge

يبدأ الأمر غامضًا، بدعاوى أقرب لمآرب الدين حول الخطيئة والتطهير ومنع الجريمة وأشياء أخرى أكثر قربًا لسيكولوجية الجماهير اللاهثة وراء الأمن والاستقرار. لكنهم على يقين أن الحضارة لا تضع فراخًا. صوتوا لهم مُتعلقين بأكثر الآمال وردية، فالسابقون لم يحققوا ذلك على أسوأ الأحوال.

على الطريقة الحضارية في مواكبة التطور، الراحل آمن بواجبه تجاه هذا العالم، تجاه حضارته، قادته عدميته إلى تشريع الجريمة – القتل تحديدًا- بمحاكمات منطقية للعقل بعد رفضه لمنحى الإجهاز على النفس. معتقدًا بأن النفس لا بد أن تتطهر للوصول إلى الإيمان الكامل. المؤمنون أيضًا لا بد لأرواحهم من ضمان حتى لا تراودهم الأفكار التي تقود أعمقهم إيمانًا إلى الانتحار.

فكان الأمر اقتلوهم قبل أن ينتحروا. القتل مُبرر بذريعة إلهية، أما الانتحار دومًا يواجه تلك المُعضلة أمام النظرات العَقدية المُختلفة.
المقاومة رأت الدين حليف الاستبداد، عَمدت إلى توزيع جبهات القتال لكي تستمر الفوضى الخلاقة في مواجهة فوضى التطهير.

لكنها لم تنسَ ما جاءت من أجله، حقيقة الصراع الأزلي، الشيء القادر على إيقاف التحور النفسي البشري. “لقد فقدنا أرواحنا لتحقيق هذا السلام. إننا لم نعد نعبد إله المسيح أو محمد أو موسى، بل نعبد مذبح الجيش والشرطة، إننا قوم لا نعرف ما نفعله”. كارميلو جونز

الثقافة قد تُعيق الأب المؤسس عن عملية التطهير المُقدسة, لذا فالحشد مهم لحلفاء الحضارة.¬ الإله إن كانت الخطيئة الأولى للإنسان فخطيئته الثانية أن يتخلى عن روحها المعدنية الملتصقة بالبارود. لا تنسوا.

فليبارك الرب الأمة الجديدة، فليبارك الرب الآباء المؤسسين.

علي جمعة
الحالة المصرية معكوسة الأقطاب، غير قابلة للقياس لأسباب تتعلق بالتشوه الهوياتي. فالدولة تدعي الارتقاء في السلم الحضاري الغربي يُثقلها الانفصام الناتج عن محاولات التغريب الديني ¬¬لأفرادها.
شعور أن تكون أو لا تكون، أن تُساق في قطيع المٌباركين لأحد أكبر الأعمال الاستثنائية – القتل الجماعي- في تاريخ الإنسان بلا وعي، أن تعطي الإذن بالتطهير لتحقيق السلام وانتخاب القتلة كصفوة، أن تبرر المجازر بالإنسانية، أن تُلبس الجريمة ثوب البراءة.

أن تفعل كل هذا يُعد غريبًا في وجود ثقافة نوعية مرتبطة بالوحي السماوي! لكن خروج حالة من حالات التطهير المقدسة – علي جمعة مثالاً- جعل الأمر لأنصاف المُغيبين – على الأقل- ليس له ما يؤيده أو ما ينافيه، بالتالي أصبح عملاً ممكنًا إن وجدت اعتبارات البراءة الممكنة. الغريب هنا: هجوم المؤيدين لعمليات التطهير على النتاج العكسي له (The Sunset Limited).

بيد أن الانتحار والقتل وجهان لعملة واحدة، تُدعى الموت. التناقض الجوهري سمة الحداثة المصرية في كل صورها من أقصى اليسار لأقصى اليمين. إسلاميو “المصالح والمفاسد”، وليبراليو “لا حل سوى الفض” وصولاً للقاعدة الأكثر زخمًا، صاحبة صك التفويض والتدين الفطري. إذا أنكرنا على الانتحار أسبابه، لا يمكننا أن نُقر للقتل بالأسباب، إذ لا يمكن أن نكون نصف عدميين.

المُدهش أننا فعلناها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد