في كل ركن من أركان الدنيا يوجد حتمًا شيء مدهش، وفي كل إنسان يوجد الخير والسيئ، وقد تغدق عليك الدنيا بخيرها وتسوقك الأقدار إلى مكان لم تظن نفسك يومًا واصله، وتلاقيك بأناس اختلفوا في الصفات والنوايا، واجتمعوا في هذا المجمع النبيل. ساقتنا الأقدار إلى بلاد الأُخوة، بلاد السنغال، في مجمع نبيل من أجل عملِ خيرِ تجاه أناس طيبين. هكذا وصلنا مطار بليز ديني الدولي بضواحي العاصمة دكار، في إطار قافلة طبية مغربية في الطب العام والبصريات، مثقلين بمعداتنا وأمتعتنا، عازمين الخطى على أن نساهم ولو بالقليل مما استطعنا تجاه هذا البلد، لم نبتغي ربحا ولا درهما، فكان الجزاء عبرًا، وصداقات أناس من طينة نادرة، أقل ما يقال عنهم: خير سفراء لأوطانهم.

سليمان: الطيبة في شخص إنسان

رجل في الخمسينات من العمر، كان سائق الحافلة طوال أيام القافلة، موظف لدى وزارة الثقافة، اشتغل طوال 20 سنة كسائق خاص بوزير الثقافة، قوي البنية، أسمر البشرة، بشوش المحيى، تأسرك ابتسامته وبساطة تقاسيمه، له هيبة ونور الرجل المتصوف. يسوق باحترافية عالية، عان معنا الأمرين. انتقل بنا بين المدن لمسافة تزيد عن ألفين كلم طوال ثمانية أيام متواصلة. رغم ضعف التنظيم، لم نره يوما يتذمر، لم نر سوى بسمته العجيبة هذه. كان حملنا ثقيلًا، وفي كل يوم نحمل أمتعتنا وننزلها ويساعدنا في ذلك، ننتقل بين المدن، من ضاحية إلى أخرى، كان أول من يستيقظ وآخر من ينام، صبره كان عظيما.

لم أر في حياتي رجلًا بقدر قوة حكمته، وطيبوبة روحه. حدث لنا في اليوم السادس بعد أن وصلنا متعبين في حدود منتصف الليل إلى منتجع على ضفاف بحيرة في ملك سيدة مرموقة في ضواحي مدينة المستنقعات الملحية كاولاك، بعد أن تناول الجميع العشاء، التحق الكل بغرفهم، وآثر سليمان النوم بعد يوم عمل مضن. بعد دقائق تعكر هدوء المكان بالضجيج والصراخ، والتحق غالبية المتطوعين بالحافلة، كانت أسقف الغرف تعج ببعض الحشرات، لم يستقبل المنتجع ضيوفًا منذ ثلاث أشهر، أيقظ سليمان، لم يتذمر قط، أخذ الذين تكدسوا في الحافلة إلى إقامة على بعد كيلو مترات، وأكمل نومه بعد ذلك في الحافلة. أما نحن وكنا أربعة، آثرنا النوم في الهواء الطلق بمحاذاة البحيرة بعد أن كفنا أنفسنا كالموتى إتقاءً لشر البعوض والملاريا، في الصباح أخبرنا أحد الخدم أننا محظوظون، ففي بعض الأحيان تخرج التماسيح ليلًا إلى ضفاف البحيرة، عاد سليمان مع المجموعة الأخرى والإرهاق باد على محياه، أخبرناه بالطرفة، عادت ابتسامته البهية لتضفي رونقًا جميلًا على هيئته السمحة. استسمحناه على معاناته معنا، أخبرنا أن ما قمنا به تجاه شعبه شيء عظيم، وأن حضوره معنا فخر له. انتهت رخصته يومين قبل عودتنا، وكان لزاما أن يعود إلى العاصمة، رغم ذلك حضر الى المطار ليودعنا، كسب هذا الرجل احترام الجميع، وأثر في نفوسنا جميعا وكان طيب الخـَــلق والخُـلقِ.

باباكار ومامادو، العمل من أجل الوطن

كان أول لقاء ببَاباكار في جمارك المطار، رجل أعمال سنغالي في الثلاثينات من العمر، عرف بقدوم القافلة قبل يومين فقط من انطلاقتها وآثر المساهمة بوقته وماله ومعارفه. سهل الكثير من الأمور الإدارية والتنظيمية، رجل ذو مواقف، كان حاضرًا معنا إلى أخر لحظة قبل المغادرة. حبه لوطنه جعله يخوض تجربة الاستثمار في بلده ورفض عروض عمل دولية. كان نعم الرجل، ومواقفه كانت درسًا لبعض المغاربة الانتهازيين الاستغلاليين. أما مامادوا، طالب سنغالي في الهندسة الغذائية والزراعية في سنته الأخيرة، صادف وجودنا في السنغال اشتغاله على بحث تخرجه، يتكلم الدارجة المغربية، أعجب كثيرًا بفكرة القافلة، خاض معنا الرحلة بمرها وحلوها، كنا نلقبه بـمامادو ويفي، يشارك معنا الإنترنت من هاتفه لنتواصل مع العالم الآخر، كسب احترامنا وكنا نمازحه عن غمازة خده، وابتسامته الواثقة حتى يخجل. من أجمل اللحظات حين أعد لنا تذكارات لكل واحد منا تحمل أسامينا، نموذج الشاب الذي يسير بخطى ثابتة وخير سفير لوطنه.
الإنسان السنغالي ذو طبع خاص، سلمي طيب شكور، له من خصال المتصوفة الكثير، في بعض الأيام كان يحدث أن نصل متأخرين والناس متكدسة منذ الصباح الباكر، واكب وصولنا حملة إعلامية واسعة في جل منابر الصحافة المحلية. نعمل رغم الظروف الصعبة وقلة التنظيم والإنهاك، تخرج الأمور عن السيطرة في بعض الأحيان، حتى يقترب الليل أن يسدل ستاره، نضطر أن نتوقف، لم نكن نسمع امتعاضًا ولا بغضًا، وفي غالبية الأحيان تسمع كلمات شكر من هنا وهناك، رغم عدم استفادة الكل من الفحوصات. نفس الملاحظة أكدتها لنا سكينة وصفاء الطبيبتين المغربيتين في طور التخرج بالديار السنغالية، تطوعتا مع مغاربة آخرين في إنجاز هذا العمل.

سُكينة: طموح شابة قائدة

أول لقاء جمعنا كان اليوم الأول في ضواحي دكار، منطقة تسمى يوف اشتغلنا سويًا، طبيبة في العشرينات على أعتاب التخرج، تنحدر من أسرة ميسورة من الدار البيضاء، مع ذلك مستقلة بذاتها وبأعمالها ومواردها المالية. فتاة أسرت جميع الطاقم بحيويتها وعزيمتها، نموذج الشابة الناجحة، ساهمت بالكثير في القافلة، وتدخلاتها أنقذت الأمور في مواقف صعبة، تقتحم الأبواب بلا كلل بحثًا عن الحلول، لمساتها المبدعة جعلت الجميع ينبهر بها. خصال القائدة تبدو على محياها، تُبهرك بقدرتها على المفاوضة في الأثمنة أكثر من السنغاليين أنفسهم. عقلها راجح رغم حداثة سنها، نزيهة، طيبة الخلق، نموذج للشابة المغربية في أرض المهجر، يصدق فيها قولُ: رب امرئ عرفت قدره في موقف، على من عاشرته الدهر كله، وإنها لذات طبع مُعظم، امرأة فخر للموطن.

صفاء ونساء آخريات

صفاء، الاسم على المسمى، صفوة طلبة الطب في سنتها السابعة، فتاة هادئة متخلقة، انسجمت مع الطاقم وخاضت معنا القافلة في جل أيامها وأعجبتْ بها كثيرًا. سرعان ما انسجمت وأبانت عن روح الدعابة التي تتملكها، تختار الحياد والتعقل في المواقف المتشنجة. من طينتها نساء مغربيات آخريات كان لهن أثر جميل على نفوس الطاقم وسررنا بكونهن نماذج حية للمرأة المغربية التي يجب أن يفتخر بها الجميع، ربات بيوت وفي نفس الوقت لهن استثماراتهن وأعمالهن الخاصة: سليمة، اختصاصية في الترويض الطبي، جيهان، مهندسة زراعية، فاطمة الزهراء، مستثمرة، كلهن منخرطات في نادي المستثمرين المغاربة بالسنغال، أحد المنظمين الرسميين. حيويتهن وجهودهن كانت سببًا بارزًا في النجاح المبهر للقافلة المغربية في دولة السنغال.

ويسألونك عن المكسب؟ معرفة أناس من طينة هؤلاء، واكتساب صداقات حقة لا تقدر بثمن، هي المكسب الحقيقي من وراء كل هذا، وابتسامة أناس طيبين في أمس الحاجة خير المكاسب. أن تعود مثقلًا بالتقدير والامتنان الذين تكنه لهم ويكنونه لك، شيء لا يُعير لا بميزان ولا يُكال بمكيال. أن تشارك معهم المسكن والأكل، الحلو والمر، أن تطلع على أفكارهم وخصالهم، أن تتأثر بقصصهم، وتنبهر بإيثارهم، وعملهم الدؤوب لتمثيل أوطانهم أفضلَ من الجالسين على كراسيهم الفخمة ومكاتبهم المكيفة، يستحقون من أجل ذلك حقًا أن يلقبوا: سفراء الأوطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات