إن امتحان الأسر والسجن من أصعب ما قد يمرُ علي الإنسان، خاصةً إذا اجتمع الظُلمُ مع الأسر، وهو من أشد المصائب على النفوس الأبيَّة، التي لا تقبل ضيمًا ولا ذلة، أمرٌ يؤرق كل مسلم أبيٍّ غيور، ويقضُّ مضجعه، ولكن الحزن وحده لا يُجدِي، وإظهار الأسى لحالهم فحسب لا يكفي؛ بل لا بدّ من تحرك عملي لنجدتهم، وتخليصهم من أسر عدوهم،و لا شك في أن معاناة المسلمين اليوم أمرٌ جلل لم يسبق له مثيل عبر تاريخهم الطويل، حيث تداعت عليهم الأمم متكالبة، ونابذتهم العداء متحالفة،

وقد عاتب الله المؤمنين ولامهم على ترك إخوانهم المستضعفين تحت تسلط الأعداء وتنكيلهم، فقال سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) [النساء:75].

ولعل الناظر في جوانب السيرة النبوية العطرة والتاريخ الإسلامي يجد كيف أن قضية الاسرى المسلمين كانت دائما حاضرة لم تغيب من أيام النبي صلى الله عليه وسلم وسنته في التعامل مع قضية الأسرى، ففي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى رجلًا من المسلمين برجلين من المشركين».

وكان من ديدنه – عليه الصلاة والسلام – نصرة الأسرى بسهام الدعاء التي لا تخطئ أبدًا، كما في الصحيح، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة يقول: «اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف».

وسار على نهجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فيما نقل عنه إذ يقول: (لأن أستنقذ رجلًا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب).

مرورًا بالحجاج ابن يوسف الثقفي ذلك الذي حرك جيشًا بكامل عدته وعتاده وأنفق عليه 60 ألف درهم من أجل ماذا؟

لأجل تحرير امرأةٍ استغاثت به بعد أن وقعت أسيرة في بلاد السند فحركَ محمد بن قاسم الثقفي حتى فتح بلاد السند وقال الحجاج: «شفينا غيظنا وأدركنا ثأرنا وازددنا 60 ألف ألف درهم ورأس».

وكذلك فتح عمورية وهو أشبه ما يكون بقصة الحجاج إذ استنصرت إحدى المسلمات من زبطرة بالمعتصم العباسي فما كان منه إلا أن قال: «لبيك يا أختاه» وحرك جيوشه على عمورية حتي فتحت عمورية، وهي عين بلاد النصارى في وقتها.

حتى قال فيه أبو تمام:

لَـبَّـيْـتَ صَـوْتــًا زِبَـطْـرِيًّـا هَــرَقْــتَ لَــــهُ

كَـأْسَ الكَـرَى وَرُضَــابَ الـخُـرَّدِ الـعُـرُبِ

وذاك هارون الرشيد الذي هابته الروم وأعطته الجزية صاغرة ذليلة سعي في تحرير أسرى المسلمين من سجون الروم حتى بلغ عدد أسرى المسلمين الذين فداهم هارون الرشيد طوال فترة حكمه 7 آلاف و200 أسير من ذكر وأنثى حتى لم يبق في حياته أسير مسلم واحد في يد الروم يفتدى به.

حتى كتب أحد الشعراء يمدحه فقال:

وفُكت بك الأسرى التي شيدت لها محابس ما فيها حميم يزورها

على حين أعيا المسلمين فكاكها وقالوا سجون المشركين قبورها

حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية كتب رسالته المشهورة الموسومة بالرسالة القبرصية يدعو فيها ملك قبرص إلى إطلاق أسرى المسلمين.

وكُتبُ التاريخ لا تخلو صفحاتها عن سردِ كيف تعاملَ المسلمين مع قضية الأسرى حتى أصبحت تلك القضية هي قضية دولة بأكملها هي المسؤولة عن فدائهم بكل السبل فلم يقتصر فداؤهم على الحاكم فقط، بل شارك فيه العلماء والأثرياء ويُذكر أنه في الحقبة المملوكية كان هناك منصب مختص بأسرى المسلمين والنظر في شئونهم وحتى أن التاريخ الإسلامي ليذكر دورًا للنساء المسلمات في استنقاذ أسرى المسلمين.

ما حكم تخليص أسرى المسلمين؟

اتفق الفقهاء على أن تخليص الأسرى المسلمين من أيدي أعدائهم واجب علـى المسـلمين.

وعلى هذا الأساس اعتمد الفقهاء في رأيهم على قول النبي: فكوا العاني – يعني الأسير – وأطعمواالجائع، وعودوا المريض» أخرجه البخاري(2881)، عن أبي موسى رضي الله عنه.

فهو حثٌ صريح على تخليص الأسرى من أيدي أعدائهم.

فقال الإمام مالك – رضي االله عنه – يجب على المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وأكد الإمام الشافعي على ذلك بقوله إنه أنفع وأولى على المسلمين أن يفادوا أسرى الكفار بأسرى المسلمين.

قال ابن حجر رحمه اللّه: (قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور) [فتح الباري 6/193].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات) مجموع الفتاوى(28/642).

قال العز بن عبد السلام رحمه الله: وإنقاذ أسرى المسلمين من أيدي الكفار من أفضل القربات، وقد قال بعض العلماء: إذا أسروا مسلمًا واحدًا وجب علينا أن نواظب على قتالهم حتى نخلصه أو نبيدهم، فما الظن إذا أسروا خلقًا كثيرًا من المسلمين! (ص97، أحكام الجهاد وفضائله).

 اما عن حالنا فقد صدق أبو مصعب السوري رحمه الله حيًا كان أو ميتًا حين قال: إن من كوارث الحركات الجهادية هي مشكلة نسيان الأسرى لم يكن يدري أنه سيكون واحدًا من أولئك المنسيين، ولكن تغير الوضع قليلًا يا أبا مصعب وأصبحنا نرى قضية الأسرى تُطرح ويطرح لها حلول من الشم الأشواس في الإمارة الإسلامية طالبان الذين لا يتركون إخوانهم في سجون الطواغيت مهما كلفهم ذلك فكان منهجهم إقامة غزوات الثائر والتحرير حتى أنني قرأت أن طالبان نفذت عملية عسكرية لتحرير رجلين من رجالها في سجون الأفغان تخيل جماعة كاملة تتحرك لتنقذ اثنين من الأسرى لا يزالان رهن الاعتقال، وليس على أعتاب الموت! ليس غريبًا أن نسمع ذلك عن طالبان فتاريخها خير شاهد ودليل جماعة ضحت بسلطانها ودخلت في حرب ضارية استمرت لأكثر من 17 عامًا لماذا؟؟ لأنها لم تُسلِم الشيخ أسامة بن لادن للأمريكان كيف لها أن تخذل مسلمًا؟

وهذا سرٌ من أسباب تفوق الحركة وهو مرجعيتها الواضحة التي لم تتبدل مع تبدل الظروف وإن رمتها الدنيا عن قوس واحدة حتى إن كلينتون تقول لو أن الملا عمر سلمنا ابن لادن لما كنا اليوم في أفغانستان، ألم يكن في وسعِ طالبان أن تُسلمَ أسامة بن لادن وتحفظ ملكها وما حققته من مكاسب على أرض الأفغان ويعملوا بقاعدة تحقيق المصالح والمفاسد كما هو منهج بعض الحركات اليوم؟

وقد سئل الإمام الشافعي أيهما أفضل للرجل أن يُمَكن أو يُبتلى؟ فقال لا يُمَكن حتى يُبتلى.. وها هي طالبان اليوم لم تُقدم التنازلات ولم ترضخ لـ«هبل العصر» وأذاقتها الويلات من قتلٍ وتفجيرٍ ونسف.

مرورًا بالقاعدة ومحاولاتها المتكررة لتحرير الشيخ عمر عبد الرحمن رحمه الله وسكب على قبره شآبيب الرحمة والرضوان والأخت عافية صديقي الدكتورة الباكستانية تلك التي تركت جرحًا نازفًا وعارًا لا يمكن أبدًا أن يُمحى تتبرأ منا له الأجيال واستخدم تنظيم القاعدة أسلوب المفاداة حيث قاموا بخطف الأمريكي وارن وينشتاين، ولكن «هُبل العصر» لم توافق على شروط القاعدة.

حتى أنه يذكر عن الشيخ أسامة بن لادن أنه كان يبذل أقصى جهده في محاولة تحرير الشيخ وما كان يدخر جهدًا ولا مالًا.

أذكرُ أنني كنت ذات مرة أتابع ما يحدث في العراق بعد دخول الأمريكان إليها وفجعت بما سمعت حتى أنني ما زلت أحفظ تلك الكلمات جيدًا تلك الأخت التي كانت تصرخ وتستغيث بالمسلمين مما يفعله الأمريكان بهم.

حتى انبرى لها الزرقاوي وقال مقولته التي لا زال صداها يتردد في أذني: «والله لو أن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يفنى عن بكرة أبيه على أن تحرر النساء في سجون الصليبيين والروافض الحاقدين لما ترددنا في ذلك لحظة واحدة، كيف والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فكوا العاني، فكيف بالعانية الضعيفة، بل كيف بالعانية التي ينتهك عرضها صباح مساء».

فليتهم إذ لم يَذودوا حميةً عن الدِّين ضنُّوا غَيرةً بالمَحارم.

وإن زهدوا في الأجر إذ حَمِيَ الوغى فهلا أتوه رغبة في الغنائم.

ولعل أبرز الحركات التي سعت لتحرير أسراها هو حركة المقاومة الإسلامية حماس وقد انتهجت نفس منهج القاعدة وهي المفاده وقد نجحت في ذلك بجندي واحد فكت أسر ألف من الإخوة والأخوات وما زالت حماس تسعى لتحرير أسراها من سجون الاحتلال حتى أن إسماعيل هنية في أكثر من مناسبة يردد ويقول إن قضية الأسرى ستظل على رأس أولويات قيادة الحركة والمقاومة الفلسطينية على كافة المستويات. حتى أننا قد نشهد في الأيام المقبلة وفاء الأحرار من جديد.

علي النقيض تمامًا نرى حركات رضيت بالذل والهوان حتى أنها كانت تسعى للأسر بنفسها وكأن هذا الأسر وقتها كان مقياسًا للبطولة والتضحية حتى كُتِبَ عليها أن تبقى في الأسر ولم يكتفوا بهذا، بل أصبحوا عبيدًا عند النظام الدولي يستنجدون به وينتظرون منه الخلاص.

ولو لم يرد في الشريعة المطهرة والسيرة النبوية العطرة إلا ما تقدم من النصوص العامة في الدلالة على وجوب نصرة المسلم والذب عن عرضه، والدفاع عنه، لكفى بها دليلًا على وجوب استنقاذ الأسرى وفكاك المعتقلين، وحافزًا على بذل الوُسع في رفع المظلمة ودفع الضيم عنهم.

ورحم الله تلك الأيام التي كنا نستطيع فيها فك أسرانا وأسرى أهل ذمتنا، أما الآن فقد انقلبت الموازين ووقعنا كلنا في الأسر والعبودية، فكيف بغريق يستطيع أن ينقذ غريقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد