صديقة لديها طفل بالصف الأول الابتدائي تشكو من شيء غريب وخطير في الوقت نفسه، تقول إن «المذاكرة أفسدت علاقتي بابني وأصبحت علاقتنا معقدة إلى حد أصاب كلانا باضطراب نفسي!»، هل أنت متخيل ما معنى أن تتوتر علاقة أم بابنها؟ وهل أنت متخيل أن هذا الابن ليس سوى ست سنوات؟ لا جدال أنها لا تريد أن تؤذيه نفسيًا بل تتمنى له خير الدنيا بما فيها، إلا أن طريقتها في الضغط الدائم عليه ليذاكر دروسه ويحصل على العلامات العالية في المواد الدراسية قد أدت بهما إلى هذه النتيجة، وهي ليست مشكلتها وحدها، بل هناك مئات الآلاف من الأمهات والآباء الذين ساءت علاقاتهم مع أبنائهم بسبب دراستهم ومذاكرتهم وعلاماتهم.

لا شك أننا جميعًا كآباء وأمهات لا نتمنى أكثر من أن يكون أولادنا أفضل الناس وأسعدهم، وأن يكونوا أفضل منا حالًا، وهذا أمر فطري وإيجابي، إلا أن ربطنا بين تحقيق هذه الأمنية وبين تحقيق الدرجات في الشهادات والضغط على الأبناء لقضاء ساعات تلو ساعات في مذاكرة الدروس هو فهم خاطئ، بل اسمح لي أن أقول إنه مرض عليك أن تسعى للشفاء منه، فالمشكلة ليست لدى ابنك، وإنما المشكلة فيك أنت!

في هذا المقال سنوضح بعض الحلول العملية التي يمكننا تطبيقها، والمستندة إلى دراسات وأبحاث علمية أُجريت في هذا المجال، محاولين الإجابة عن عدة تساؤلات في كيفية التعامل مع أبنائنا في قضية المذاكرة والدراسة، ومحاولين الاستشفاء من هذه العقد النفسية المستندة إلى فهم خاطئ، والتي ورّثناها لأبنائنا ففسدت علاقاتنا معهم.

أعلم أنك كوليّ أمر تسأل كثيرًا عن أفضل طريقة للمذاكرة حتى يطبّقها ابنك، في الحقيقة، كما أن التحصيل يختلف من طالب لآخر بل من إنسان لآخر، فإن طريقة التحصيل نفسها يجب أن تختلف، فليس من المعقول أن نذاكر جميعًا بطريقة أو طرق واحدة وقدراتنا في التحصيل مختلفة! لذا معظم الكُتّاب في مجال التربية لا يرون أن هناك طريقة يقال عنها إنها الطريقة المثلى للمذاكرة، وأن القول بهذا مناف للواقع، ولكن هناك مقاييس عامة في تحصيل معلومة ما، بينتها دراسات كثيرة، نختصرها في:

– أفضل طريقة لفهم معلومة ما بعمق أن تشرحها لغيرك، لذا فالطلاب الذين يشاركون غيرهم بمعلوماتهم ويشرحونها لهم يكون مستوى تحصيلهم أعلى، حيث أثبتت الدراسات أن الإنسان يتعلم شيئًا معينًا أو مهارة معينة بنسب متفاوتة تعتمد على الطريقة التي يتعلم بها، حيث يتعلم 10% من الشيء إذا كان يقرأ عنه، 20% إذا كان يسمع عنه، 30% إذا كان يراه، 50% إذا كان يسمع ويشاهد معًا «مثلًا يشاهد فيديو عن هذا الشيء»، 70% إذا كان يتناقش فيه مع أحد، 80% إذا كان يتعايش معه بشكل شخصي، 95% إذا كان يشرحه لأشخاص آخرين، جدير بالذكر أن أحد المواقع العربية التي تطبق هذه المنهجية هو موقع نفهم التعليمي يمكنك مساعدة ابنك لخوض تجربة الشرح لزملائه من خلاله.

– إذا أردت تثبيت معلومة ما في ذاكرتك لمدى أطول فلتعرفها مرة واحدة ثم تسأل نفسك – أو يسألك أحد فيها – فتخطئ، فتعرف الصواب، فتثبت المعلومة في ذاكرتك، أما مقولة «التكرار يُعلّم الشطار» فهي نسبية، حيث تكرار المعلومة في فترة زمنية أقصر يُثبتها في ذاكرتك لمدى أقصر، ولكن يجب أن يكون التكرار على فترات زمنية أبعد، مثلًا أذاكر معلومة اليوم ثم أسترجع مذاكرتها وتكرارها بعد ثلاثة أيام وهكذا.

– أفضل طريقة لفهم القواعد والنظريات في أية مادة دراسية -وعلى المدرس أن ينتبه لهذا ويتعلّمه- ليست هي الطريقة التقليدية المتبعة في أن يعرف الطالب النظرية أو القاعدة أو التعريف ثم يطبّق عليها، بل يجب أن يبدأ الوصول إليها بمشكلة/مسألة ثم يحاول الطلاب مع مدرسهم الوصول لحلها حتى يصلوا إلى النظرية أو القاعدة.

أما عن عدد الساعات التي على ابنك أن يقضيها في المذاكرة، الأمر هنا أيضًا نسبي كما ذكرنا من قبل، فأنت تفهم معلومة معينة في ساعة، أنا أفهمها في ساعتين، وغيرنا في ثلاث ساعات وهكذا، ولكن ليكن الأمر أننا نذاكر حتى «نفهم» المعلومة وليس الأمر كأنه عبء ثقيل وعدد ساعات يجب أن يذاكرها الطالب، الأمر متعلق بفهم درس أو معلومة بغض النظر عن عدد الساعات، فإذا فهمتها في ساعة فهو عدد ساعاتك الأمثل، وإذا فهمتها في 4 ساعات فهو عدد ساعاتك الأمثل، وثبت أن أفضل وقت للمذاكرة هو ما بين الساعة الخامسة صباحًا إلى العاشرة صباحًا، ولتكن الراحة 10 دقائق بعد كل ساعة ونصف، ولننتبه ألا تكون الراحة بتصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو غيره، فهذه ليست راحة بالمرة، ولكن راحة قليلة نستلقي فيها دون أن نشغل تفكيرنا بشيء حتى نعود إلى المذاكرة نشطين مُقبلين، كما أنني لا أدري حقـًا لماذا قد يقضي طفل صغير أكثر من ساعتين في اليوم في المذاكرة؟!

وإذا حدث وشعر بالملل -وهو أمر وارد وطبيعي حتى لنا نحن الكبار فما بالنا بالأبناء- وبصفة عامة الإنسان يملّ من شيء ما إذا فقد الاستمتاع به، لذا إذا أحسست بملل من المذاكرة فلتتركها وتسترح قليلًا، وفكرة أن ندفع أبناءنا على المذاكرة دفعًا ونجبرهم عليها، فكرة ثبت فشلها على مدار السنين، لأنه لن يُحصِّل شيء إذا ذاكر وهو مُجبر، ومن أكثر ما يُشعر الطالب بالاستمتاع تذكيره بالنتائج التي سوف يصل إليها والنجاح الذي سيحققه وكيف أنكم جميعًا تفخرون به، وعمليًا على الطالب أن يحدد بدقة ما سوف ينجزه اليوم في المذاكرة، مثلًا سيذاكر اليوم 3 دروس من ثلاثة مواد مختلفة، يبدأ بأكثر مادة يحبها، لا يحدد ساعات، ولكن يركز على الفهم والاستيعاب فقط دون أن يشغل رأسه بأن عليه مذاكرة مادة أخرى كذا وحل واجب كذا، بل يستمتع بالمادة التي يذاكرها الآن، وبعد أن ينتهي يأخذ راحةً صغيرةً ثم يبدأ في التالية، وهكذا.

والأمر لا يخلو بالطبع من مواد لا يفضلها ابنك، فجميعنا نختلف في حب نوع معين من المعرفة عن نوع آخر، وقد كان من المنطقي أن يدرس كل طالب ما يحبه فقط، فكيف يمكن للمرء أن يتعلم شيئًا لا يحبه؟! ولكن ما دام هذا غير مُطبق في نظامنا التعليمي فلنتعامل مع الأمر ونروِّض هذه المواد لعقولنا بهدوء، فعلى الطالب أن يحدد هدفًا معينًا ولو كان بسيطـًا جدًا في نوعية هذه المواد، مثلًا أن ينهي الفصل الأول خلال هذا الأسبوع على 3 مرات كل مرة جزء معين، بمجرد تحقيقه لكل جزء سيشجعه ذلك على استكمال الجزء التالي وهكذا، وأتمنى من أولياء الأمور ألا يجبروا أبناءهم على دخول قسم معين أو دراسة مواد معينة لا تناسب ميولهم لأنها تُبغّضهم في الدراسة والحياة بصفة عامة!

وفي حالة أنك أب أو أم لديك ابن سيلتحق بالمدرسة عمّا قريب -ولا أدري لمَ لم تبحث عن بدائل لفكرة ذهاب ابنك للمدرسة؟!- ولكن، أما وقد عقدت العزم، فبالنسبة لأول يوم في الدراسة، فهو يختلف عما إذا كانت هي أول مرة في حياته يذهب إلى المدرسة مثل طلاب الأول الابتدائي، أو أنه أول يوم في عام جديد أو فصل دراسي جديد، ففي الحالة الأولى أنصح بأن تذهب معه الأم أو الأب ليكون الطفل مطمئنـًا بشرط ألا يضر بثقته بنفسه من أول يوم، وذلك يحدث إذا كان الأب أو الأم يتحدث بالنيابة عنه أو يتعامل مع زملائه ومدرسيه بالنيابة عنه، وهنا قد ذهبت شخصية الابن للأسف، ولكن ذهاب ولي الأمر معه فقط لطمأنته وتشجيعه ثم تتركه يتعامل مع زملائه وتراقب من بعيد فقط بحيث يراك وتراه، ثم تسلم عليه وتحتضنه ثم تتركه وتذهب -بالمناسبة، متى آخر مرة احتضنت فيها ابنك وقبّلته؟ فلتفعل ذك الآن رجاءً- أما في الحالة الثانية فأول يوم هنا لا تكون هناك الهيبة نفسها كما في الحالة الأولى، حيث يكون الطالب اعتاد المدرسة وخاض التجربة أكثر من مرة قبل ذلك، وهنا فليركز ابنك فقط على التعارف وكسب أصدقاء جدد والتعرف على المدرسين، وأتمنى من المدرسين ألا يبدأوا في المنهج في هذا اليوم، فلن يضيع أو يؤخر هذا اليوم خطتك في المنهج صدقني، ولكن بالحديث بود مع الطلاب والتعرف عليهم وتشجيعهم، سيكون لذلك أثر إيجابي طوال العام.

ربما هناك المزيد من التساؤلات، وربما التقينا في مقال آخر نتحدث فيه أكثر عن فترة الامتحانات، وكيف نتعامل مع أبنائنا فيها بطريقة سليمة، أما أنك قد وصلت إلى نهاية المقال فهو دليل على اهتمامك بابنك وحرصك على التعلُّم من أجله، تذكّر دائمًا أن ابنك هو معجزة فريدة لم يأتِ ولن يأتي مثلها، وكذلك كل طفل في هذا العالم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ذاكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد