حين نشعر بدنو الأجل وحتميته, أو بهشاشتنا في دنيانا، فإننا نبحث عمَن يعطينا أملا وسعادة تمتد لما بعد عمرنا، حتى لو كان ضعيفا هشا مثلنا.
وحين نجد من يعطينا هذا الأمل، فإننا نتشبث به، نلتف حوله، وننسى مصابنا ونغفل عنه، ولو كان هذا المصاب موتنا المحتم!

في فيلم “The green mile” ، حيث كان ” كوفي” السجين العملاق  و”بول” منفذ عمليات الإعدام، هما اللذان دارت عليهما الأحداث, وكُتبت فيهما المقالات والتحليلات، لكنني سأتعداهما إلى بطلين آخرين.

هما “إيدي دولاكروا” المذنب الفرنسي، و”مستر جينجلز” الفأر!

الناس ثلاث :

“إيدي” المذنب الذي ندم، ممثلا بشريتنا بخطئها وصوابها، بشرها وخيرها، بطفولتها ولعبها, وبطيبتها وسذاجتها أحيانا، ممثلا الإنسان الذي يخشى ترك من يحب، المنتظر للموت المحتم.

“مستر جينجلز”، الشيء/ الشخص الذي يظهر فجأة, ليشاطرنا ضعفنا وندمنا وقلقنا وهمومنا، يمازحنا ونمازحه، نبكي له وبين يديه, ويسمح لنا بذلك، يعطينا بخفة أملا في حياة نحن فيها نزلاء, هي ميلنا الأخضر الذي سيمضي وينتهي قريبا.

“بيرسي” زبانية الأرض، مجرمو الزمان، قاتلو الحلم والأمل قبل الأجساد.
العنصريون, وإن زعموا حرية وعدالة، المعتوهون فكريا، المشوهون نفسيا، الجاثمون فوق صدورنا، المستمتعون بالقتل، كأنه لعبة ظريفة تشبع شهوتهم المهووسة المتكبرة في سحق غيرهم من الضعفاء.

ونحن كـ “إيدي” نجرم في حق غيرنا كثيرا، ونبطش أيضا بأنفسنا في استمتاع غريب, في مشاهد الغضب أو الشهوة أو الجهل، كلها مترادفات تدور حولها الخطيئة بكل عزمها لترى أي الأبواب أضعف في الدخول إلينا, وما تلبث أن تقتنصنا سريعا بكامل إرادتنا.

وفي لحظات هي الأضعف من لحظات الخطأ، تأتي لحظات الندم والانكسار التام أمام صفعات العقاب الرباني، لكنها صفعات تنبيه وإفاقة ورحمة!

ورغم ثقة “إيدي” من دنو أجله، واستسلامه لدقائق الموت القادمة، يظهر له في الأروقة فأر مرح، يوقظ بداخله أملا عجيبا وبهجة جعلته يفكر جديا في مصير هذا الفأر “جينجلز” من بعده!

لقد فكر “إيدي” في مستقبل “جينجلز” صديق لحظاته الضعيفة والأخيرة، سيُذهب به إلى السيرك بعد أن رُوض وعُلم بعض الحركات، سيُذهب به للعيش في Mice city””!

السعادة التي منحها له “جينجلز” أنسته موته القادم، تقبل “جينجلز” لـ “إيدي” بكل ذنوبه وعيوبه واختياره له جعلته يخطط لمستقبله, بل ويبكي وينتحب, لا على مصيره بل خوفا على ضياع صديقه من بعده!

ونحن الضعفاء بالمعصية، المنكسرون بالأوبة، لا نريد إلا مثل هذا “الجينجلز” ليفسح لنا طريقا منيرا, نرى فيه أننا لا زلنا قادرون على فعل ما نحبه، أننا لنا قيمة, ولنا الحق في المحاولة مرات ومرات، أن الله سيتقبلنا بعفوه وكرمه ورحمته الواسعة.

من يقبلنا هكذا بندباتنا وتحجرنا وصعوبتنا وطفولتنا، لنعود تلقائيا معه لفطرتنا, ولجميل خصالنا, دون أن يذكرنا كل لحظة بكم السوء الذي فينا، وكيف نحن عاصون تابعون لشياطيننا!

نقبل العقاب كما قبله “إيدي” فهذا عدل الله فينا، ونعرف أيضا مصيرنا كبشر قدر لهم الفناء.

لكننا لا نقبل من يريد سحق أملنا تحت حذائه، كما فعل الضابط المتغطرس العنصري “بيرسي” مع فأر “إيدي”.

لم يكتف “بيرسي” المعتوه بالقتلة الجهنمية البشعة التي تعمد فعلها في “إيدي”.

فمع سبق الإصرار, تعمد عدم تبليل المنشفة التي تساعد على وصول الكهرباء إلى الدماغ بسرعة لتجنيب الألم والحرق والتعذيب, ووضعها جافة على رأس “إيدي” المستسلم لكرسي الصعق الكهربائي، بعد أن صرح باكيا بندمه على ذنبه وعدم مقدرته على فعل شيء، فاحترق “إيدي” وطال عذابه في مشهد هستيري، يصيب بالهلع!

ورغم هذا العذاب، عذبه أيضا قبل إعدامه، بدهسه لصديقه “جينجلز” تحت قدميه، فانفجر في البكاء والنحيب الذي لم يفعله لموته الوشيك!

هكذا يفعل بعض المشوهين نفسيا في أدق الأمور حساسية لنا، متعتهم المريضة في جعلنا نزلاء داخل صناديقهم السوداء, بلا هدف ولا غاية ولا حتى مساحة للسخرية.

وهكذا نحن نهتم بمن يألفنا ويرى فينا نقط البياض, في نفوسنا الحائرة، فكم من مهزوم أيقظته كلمة تشجيع، وكم من مكسور جبرته دعوة لأمل جديد، وكم من حائر وجهته يد حانية، وكم من محبط شجعته نصيحة, ووضعت قدراته في مكانها الصحيح.

وفي واقعنا البائس، البائس بشدة، يزداد الاحتياج لمن يستنقذنا من تيهنا، من يأخذ على أيدينا ويفكر قليلا قبل أن يعاقبنا.

كثير من العصاة ضلوا طريق العودة، وعميت أبصارهم عن تبصرة سبيل الرحمة، ليس فقط لمعصيتهم، إنما العاصي كالغريب, الطريق أمامه ولا يعرفه، لا يريد إلا إشارة من يد أحدهم تدله ليس إلا، أن “ها هو طريقك هيا سر, اغرس فتيلة أملك وأنجز هدفك, حتى وإن اقترب يومك.

“mostly Im tired of people being ugly to each other ,, im tired of all the pain I feel and hear in the world ….”
ليست كلمات وشعور ” كوفي” وحده، بل هو لسان حالنا ومقالنا نحن أيضا، فكل الامتنان والشكر لكل “جينجلز” في حياتنا، كل من يدعنا بهداوة نلتف حوله ويلتف حولنا، مانحا إيانا بعض الطفولة، بعض المتعة، بعض الأمل في كوكب اللا أمل!.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد