إن العقل لا يستطيع أن يعمل دون مطلقات؛ إذ إن التفكير دونها سيكون عملية عابثة لا يمكن الخروج منها بأي نتيجة.

وذلك أن العقل لا يستطيع أن يتعامل مع الأفكار مجردة، ولكي يكَوّن نتيجة أو ردة فعل أو قبول أو رفض أو ما يسمى بناتج التفكير لا بد له من مطلقات التي هي بمثابة الأدوات التي يعمل بها ويقيس كل ما يلج إليه من أفكار عليها.

وقبل الاستطراد نوضح الأمر بصورة أكثر تبسيطًا إننا باعتبارنا كائنات اجتماعية هل نقبل كل ما يسود الاجتماع الإنساني = العقل الجمعي واضعين في حسباننا الزمان والمكان وتقلباتهما، أو هل إذا اطلعنا على ثقافة جديدة هل نذوب ونقبل كل ما فيها، أوهل نقبل كل ما تفرضه علينا التنشئة الاجتماعية؟ بالطبع لا، فهناك قيم وقواعد ومبادئ هي التي تمثل وجودنا الحقيقي والتي نستخدمها أدوات ونماذج للتفكير بها نفحص كل ما يعرض علينا فنقبل ما يتوافق مع مبادئنا وقيمنا ونرفض ما يتعارض معها.

لكن ماذا لو تخيلنا أن العقل خالٍ من تلك الأدوات؟ فلن تكون هناك علمية تفكير جادة منضبطة نخرج منها بنتائج سوية، بل إنها ستكون عملية عابثة، دربًا من مهزلة العقل البشري.

وتبعًا لنتيجة التفكير الأولي، سيكون لنا وجودًا حقيقيًّا أما الأخرى فسيكون وجودنا زائفًا نقبل كل شيء ونذوب في كل ثقافة وننتحر عقليًّا بقبولنا للعقل الجمعي بكل ما يحتوي عليه من سقم وفساد وانحراف.

نعود مجددًا إن الإنسان لا بد أن تكون لديه تصورات واضحة عن الكون والوجود والحياة. هذه أسئلة ملحة لا ينفك الانسان من الاضطراب الذي يلتهمه إلا حين يجيب عنها بشكل واضح.

وإجابته لأسئلته الحائرة تلك يرتب عليها نمط ثقافته وطرز حضارته = الصورة التي عليها صورة حياته الباطنة والظاهرة، وذلك أن الإنسان الحائر المفكر لا بد له في عملية تفكيره من مطلقات يصل بها إلى ما تسكن بها نفسه، ويرضي بها ضميره وبنفس هذه المطلقات فإنه يسعى في حياته؛ لذلك يتفق نمط الثقافة وطرز الحضارة مع التصور الذي نتج عن عملية تفكيره لأنه يفكر في كلا الحالين بنفس المطلقات والسلوك ما هو إلا نتيجة الأفكار.

وإننا باعتبارنا مسلمين لنا إجابة على تلك التساؤلات ونمط ثقافتنا وطرز حضارتنا يتفق مع مطلقاتنا وأفكارنا الأصلية الرئيسية المحورية التي منها مثلاً: إقرار الألوهيه لله وكل ما يصاحبها من حقوق وامتيازات له سبحانه، وعلى هذا فإننا نسير في حياتنا واضعين تلك الحقيقة المطلقة نصب أعيننا كما نضعها لبنة أساسية من لبنات تفكيرنا وقواعده.

وهكذا فإن للمسلم مجموعة من المطلقات تأخذ تفكيره في جانب محدد، لأنه من خلالها يصل لأفكار مختلفة لأي شخص آخر.

وفي حالة اختفاء تلك المطلقات أو ذوبانها أو تساوي أفكاره مع أي نموذج آخر، فإن ذلك يعني أنه قد ذابت مطلقاته التي تميزه بكونه مسلمًا.
ولنضرب على ذلك مثلًا أوضح، إننا الآن في ذيل ركب الحضارة بعيدين عن حلبة التاريخ خارجين منها، وإن القاعدة لتقول إن المهزوم يتبع الهازم وأنه يقلده ويحاول أن يأخذ بكل الأسباب التي أصبح بها قويًا فيهزمه.

فهل نأخذ بكل المدينة الغربية هكذا جملة واحدة من هيكلها وروحها؟

مثًلا إذا أعجبنا بنموذجٍ لسياسة الحكم وإدارة الاقتصاد ورأينا أنه الحل لكل مشاكلنا وأنه به النجاة. فوقفنا على حقيقة نشأته والظروف التي مر بها والمنحنيات التي تعرض لها = فهمنا ذاكرته التاريخية جيدًا فهل نأخذه كما هو ونطبقه؟

إن المسلم صحيح الإسلام لا ينظر إليه أبدًا من كونه نافعًا أو ناجحًا فقط، بل ينظر إليه كل النظر من كونه هل يتفق ذلك مع كل تصوراته وأفكاره الرئيسية ونسقه المعرفي أولا، فإن كان لا يتعارض مع تصوراته وأفكاره فإنه يعمل به فورًا للنجاة بنفسه وحاضره وإن كان يتنافى مع تصوراته مطلقًا، فإنه يلفظه مطلقًا وإن كان في المنتصف فإنه يهذبه ويقلم أظافره بما يناسب تصوراته وهو ما نسميه بأسلمة المعرفة.

وفي النهاية لا بد أن نقرر حقيقة مفادها:

أن هذه المرجعية أو النسق المعرفي هو الذي يعطي للجماعة من الناس وجودهم الحقيقي ويبقي لديهم الأمل في الرجوع للتاريخ مرة أخرى، إذ إنه بمثابة القبس من النور الذي يبدد ظلام تخلفهم لأنه حين انتحالهم لأي بديل آخر سيكونون نماذج مشوهة تقف في المنتصف تمامًا لا تستطيع استلهام نموذج ثقافتها الأصلي أو التماهي مع روح النموذج المقلد.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد