الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

بدأت قصة نضال عظيمة مع الثائر المصري أحمد عرابي ضد الاحتلال الإنجليزي، دامت طويلاً قبل أن تتعرض للضربات من داخل صفوفه، ولكن الضربة الأقوى التي تعرض لها كانت تتمثل في بيان السلطان عبد الحميد، الذي عده عصيًّا وخارجًا عن الطاعة، البعض رأى أن السلطان قد خان عرابي بهذا البيان، وخان كفاح المصريين ونضالهم ضد الاحتلال، وهناك من قال إن السلطان لم يفعل ذلك من باب الخيانة، وقدم تفسيرات مرتبة بالسياق التاريخي، الذي يعنينا هنا هو أن بيان يصدر من سلطان دولة ضعيفة مهزوزة لم تعد تملك سوى اسم الخلافة الإسلامية، يكون له مفعول السحر في أحمد عرابي وكل من معه، وهم المناضلون الحقيقيون على الأرض والفاعل الحقيقي الذي يخدم قضية حقيقية تهم المصريين في المقام الأول، ثم كل المحيط الإقليمي الذي كان ليلهمه نضال عرابي ضد الاحتلال.

إنها حالة تشبه حالة عبَدَة الأصنام الذين حتى لو توفرت لهم كل أدلة بطلان ما يفعلون ظلوا متمسكين بما يفعلون، أو كحال من قالوا «إنا وجدنا آباءنا على أمة…» ذوات من البشر تتمسك بشيء له اسم أو عنوان وتناضل في سبيله بكل الطرق دون أن تتفق فيما بينها على مضمون هذا الشيء وتفاصيله، والطرق المثلى لتطبيقه على الأرض.

هذا هو المرض الذي نما داخل جسم التيار الإسلامي بكل تنوعاته، والذي قرر ضرورة العمل على استعادة هيبة الإسلام بعد السقوط الرسمي للدولة العثمانية على يد مصطفى أتاتورك، ومع إقرارنا بالضغوط والضربات التي تعرض لها الإسلاميون بما فيهم السلفيون على مر التاريخ، لم يستطيعوا أن يحددوا بشكل واضح ماذا يريدون، وما مشروعهم، وكيف يعملون من أجله.

هذا المرض متجذر بصورة أكبر عند السلفيين، ولهذا فهم منعزلون عن مجتمعاتهم، لا يفهمون واقعها والمفاهيم المترسخة في عقول أفرادها، وكيفية التواصل معهم لمخاطبتها بشكل مباشر، يعتمدون في طرحهم بشكل كبير على إسقاطات من الماضي لا تناسب طبيعة الحالة التي يريدون التعامل معها، واليوم يقود هؤلاء في السودان الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف ويحشدهم لما سماه «مليونية نصرة الشريعة».

والمشكلة فيمن يصيبه هذا المرض يقع في تناقض مع نفسه ومبادئه، فالشيخ من المنبر ذاته الذي قال في معرض التوضيح بخصوص أحداث سابقة في المسجد أنه ليس لدعاوى التظاهر، يدعو اليوم منه للخروج إلى ميدان الشهداء بأمدرمان لنصرة الشريعة، والرجل الذي ابتدر بما سماه مناصحة الرئيس المخلوع عمر البشير، والجلوس معه على طاولة العشاء، هو اليوم يثور ضد رؤية قوى إعلان الحرية والتغيير بخصوص دستور البلاد، ولم يحاول حتى أن يتواصل مع التحالف لمناصحتهم، المؤسف أن الحشد الذي يسعى له الشيخ هو من أجل القوانين التي وضعها الرئيس الأسبق جعفر نميري أوائل الثمانينيات والتي أسماها (الشريعة)، ويزعم أنها مكتسبات يجب الحفاظ عليها.

القوانين التي سنها جعفر نميري كانت متعلقة بالحدود الشرعية، مثل السرقة، وشرب الخمر، وغير ذلك، ولو سأل أحدهم الشيخ نفسه في نقاش علمي: هل هذه القوانين هي الشريعة، أو حتى قريبة من أن تكون؟! فستكون إجابته قطعًا بلا، ولكن على الواقع وعلى الأرض كانت هذه القوانين كافية جدًّا بالنسبة له ليقول بفخر أن السودان بلد إسلامي التوجه والهوية، وأهله يعملون بالشريعة، ودليلي أنه لم ينتفض في مسجده وعلى منبره ضد نظام كان يخالف أصول الدين على مدى 30 عامًا صباح مساء؛ هذا لأن ذلك النظام خير عنده من قوى سياسية تقترح تصورًا للمرحلة الانتقالية وما بعدها ومواد دستورية لم يتم فيها ذكر الإسلام كمرجعية للقوانين والسلطات.

هذه هي عقلية الكثير من أبناء التيار السلفي تحديدًا، وهذا هو النوع من الممارسة الذي يضعه دائمًا في مكان من هو عطوف حنون مع المستبدين، شديد البأس والعزم ضد إخوانه الذين يدعون للانفتاح وحرية التعبير والرأي والمشاركة السياسية، ويناضل من أجل كل هذا، وهي عقلية قوم لا بد للتعايش معهم كونهم جزءًا من الوطن ولهم حق مثلما نحن لنا فيه، فأصل هذا المشهد كله لم يكن مجرد رؤية قوى الحرية والتغيير، بل كان هو الجدل الذي يحدث كلما ظهر سؤال في الإعلام أو بين الناس عن هوية الدولة.

الخائض في حوار هوية الدولة في الوقت الراهن هو كمثل صاحب قصة الرجل الذي نظر إلى قارورة السمن، فتخيل أنه يمكن أن يبيع هذه الزجاجة بسعر ثم يشرع في نشاط تجاري ينمو عمله معه ليدخل في مجال تربية الحيوانات، وإنشاء المزارع، ثم يكبر عمله ويتزوج بعدها، ويرزقه الله بغلام مطيع لو حاول أن يعصيه فسيضربه بالعصا ثم، وهو يسرح في خياله، ضرب قارورة السمن بيده فوقعت وتكسّرت.

قبل أن نطلب دولة إسلامية، أو ليبرالية، أو شيوعية نحن الآن نريد دولة. مجرد دولة بعد عقود من نظام حكم الجماعة أو العصابة التي كانت تنهب خيرات البلاد لتخدم مصالحها، نريد إصلاح مؤسسات الدولة التي كانت في يد النظام يفعل بها ما يشاء، وهي تخدمه قبل أن تخدم الشعب، ونريد أن نعالج الأزمات الراهنة والكثيرة جدًّا الموجودة بين أيدينا.

هذا الجدال هو أحد أهم مقدمات النزاعات التي تنشب بين الذين وقفوا كتفًا بكتف في مواجهة بطش النظام السابق، فإن كان لا بد منه فليكن في مكانه المناسب البعيد في رأيي عن ميدان السياسة بما يحدث فيه في الوقت الراهن، وليركز على الجانب الفكري الثقافي البحت وكيفية التعامل مع المجتمع من خلال هذه التوجهات، كما أفضل أن يكون الحوار بعيدًا عن مساحات الفيسبوك وتويتر.

الأيام الماضية شهدت أحداثًا مؤسفة مثل الاعتداء على أعضاء حزب المؤتمر الشعبي، والصدام الذي وقع بين أبناء وحواريي أحد مشايخ الصوفية، وبين أبناء المنطقة المقيمين فيها حول ملكية الأراضي، وكذلك أحداث مباراة كرة القدم في الدوري المحلي وما كان فيها من اعتداء على الحكم، على القادة وأصحاب الرأي مسؤولية ضبط النفس، وأن يكونوا قدوة في التصرف السليم والحث على تحكيم العقل فيما يقال وما يتم فعله، ولو لم يتدارك الأمر فالله أعلم بما قد يقع.

بالنسبة للشيخ عبد الحي ومن معه في التيار، فلا أميل إلى القول بأن التيار هو شكل جديد للنظام القديم، فهؤلاء هم السلفيون، ليس كلهم على هذه الشاكلة ولكن يتوافق معظمهم على هذا التصور الذي يجعلهم في خدمة المستبدين بشكل أو بآخر ويتحرون كل أسباب تجنب مصادمتهم، وكل أسباب مصادمة الثوار، الأمر الذي يطرح السؤال التالي:

ما هذه الشريعة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد