هذا المقال بدون مقدمات تمهيدية ولا تأسيسية يتحدث مباشرة عن اقتراحات محددة لمهام السياسيين الآن في مصر.

في رأيي المتواضع نجاح أي مطلب عادل في مصر متعلق بالحرية والكرامة والعدالة وحقوق الإنسان مرهون بأمور ثلاثة:

١- القدرة على التكتيل الشعبي ( وأقصد بمصطلح التكتيل بأنها عملية مستمرة، ولا تتوقف لتعبئة أكبر عدد متنوع من الجماهير خلف أهداف سياسية جامعة محددة وواضحة) على أساس مختلف عن الاستقطاب الحاد الذي وضعه العسكر، يقول الدكتور «مهند مصطفى» في بحثه القيم عن العسكر والتحول نحو الديمقراطية في دراسته المقارنة بين تايلاند والأرجنتين وتركيا، أن هناك ستة عوامل مؤثرة في عملية التحول ومواجهة السلطة العسكرية، وحدد من أهم العوامل الستة «مدى تكتل أو تصارع القوى السياسية الفاعلة، ومدى التزامها بالديمقراطية، مقابل الحكم العسكري»١.

٢- القيادة: وهي حاجة أي تجمع وتكتل إلى قيادة حكيمة وشجاعة وقوية قادرة على أخذ زمام المبارة، يمكنها أن تعبر عن التكتل الشعبي الواسع، وتتحدث باسمه، وتكون قادرة على اكتساب الثقة، وقادرة على تمثيل تطلعات الناس وتقدير الموقف والتفاوض أيضًا بالكيفية والوقت المناسب، نقتبس هنا من «سيرجو بيطار» و«إبراهام لوينثال» بعضًا من خلاصاتهم عن القيادة في بحثهم القيم مع حواراتهم الطويلة مع قادة سياسيين؛ لتسع تجارب مختلفة من تجارب التحول في كتابهما تجارب التحول إلى الديمقراطية يقولون هنا عن القيادات الناجحة:

  • كان أغلبهم يعتمد بشكل كبير على زملاء أقوياء، وشركاء لهم في القيم السياسية المشتركة، ويمتازون بخبرات ملائمة للتعامل مع القضايا الشائكة.
  • كانوا قادرين على إقناع الآخرين بقبول آرائهم، وكانوا يعرفون كيفية حشد الدعم الخارجي، دون أن يصبحوا بمثابة أدوات أجنبية.
  • كانوا قادرين على التكيف وتعديل المواقف بسرعة وتحويلها في اتجاهات ومسارات غير متوقعة، وأخذ زمام المبادرة.
  • لم يعملوا بمفردهم ولذواتهم الخاصة، وما كانوا ليتمكنوا من تحقيق تلك النجاحات دون مشاركة مختلف الجهات والقوى الاجتماعية والسياسية والمدنية٢.

٣- شق معسكر السلطة المستبدة وداعميها من الداخل والخارج وتخذيل أنصارها وداعميها ودفع قطاعات المصالح من داخلها وخارجها إلى التخلي عنها (بالضغط والتفاوض وغير ذلك).

٤- تكتيكات الضغط المبدعة المبتكرة – غير المتوقعة من قبل سلطة الاستبداد – وهي ليست تكتيكات لمجرد التضامن، لكنها تكتيكات قادرة على الضغط الحقيقي المفصلي وإحداث إرباك وخلخلة في النظام والمركزية، وقادرة على فضحه وتعريته وجعله في موطن الدفاع، وعاجز عن التفكير في الخطوات القادمة.

 

مهمة السياسيين الآن

إذا كنا نقول الآن ما مهمة السياسيين في مصر؟ فهي ببساطة شديدة ليست في التصريحات الإعلامية، ولا الهتافات ولا البيانات ولا الأمنيات، ولكن في:

١-  القدرة على كسر سياج الاستقطاب الذي فرضه العسكر، وبناء استقطاب جديد على أساس أوسع يضع قطاعات متعددة من الشعب والعوام والمثقفين والشباب في إطار يصعب على السلطة حصاره ووصفه إعلاميًا وميدانيًا.

٢-  حل معضلة القيادة بالتحاور والتفاوض الواعي والناضج (لا يشترط الجميع)، ولكن بطليعة ناضجة مثقفة واعية، حتى لو كانت مختلفة التوجهات قادرة على بناء تحالف وطني ثوري محدد الأهداف الانتقالية، لا يحيد عنها حتى تُخلق ساحات من الحرية يمكن للبرامج فيها أن تتنافس وللشعب أن يحكم ويتحاكم،  فالعنوان الحقيقي الآن هو استعادة الحرية والعدالة بتحرير الشعب من الهيمنة الكاملة للاستبداد والحكم العسكري.

٣-  القدرة على بناء تكتيكات مبدعة تحقق استراتيجيات ناجعة في الضغط العملي والفعّال والمبتكر على سلطة الاستبداد، مع القدرة على تعبئة الجماهير وبث الثقة فيها من خلال الرموز والخطابات المناسبة؛ لتحقق أهدافًا، ولو مرحلية مفاجئة للعسكر والجهاز الأمني البيروقراطي، فالحقوق لن توهب، ولكنها تنتزع بالجد والعمل والتميز وإثبات الوجود والتأثير الفعلي لا الكلامي.

٤- العمل على سبر أعماق التناقضات داخل معسكر الاستبداد، فالذي يجمعهم ليس العقيدة، ولا رباط الدم، بل المصالح، وهم أحرص على البقاء من أقرب المقربين منهم، فكيف توضع توجهات وسياسات يمكنها الجمع بين الضغط وتوسيع الفجوة والتفاوض حتى تقف سلطة الاستبداد عارية غير متسترة بقوى أخرى.

إشارات سريعة من تايلاند..لماذا نجحت الانقلابات بسهولة؟

أختم بإشارة سريعة بحكم خبرتي الحياتية في مملكة تايلاند بلد الانقلابات والملكية الدستورية، وقد شهدت منذ عام 2006 انقلابين عسكريين مدعومين من مؤسسة الملك على نفس الحزب المنتخب صاحب الأغلبية، الذي كان يحظى في الحالتين بأغلبية شعبية وشرعية برلمانية، وأيضًا عصبية كبيرة من داعميه وأنصاره وإنجازات لا يمكن إنكارها تتعلق بتحديث مملكة تايلاند ونموها الاقتصادي، غير أن «تاكسين شيناواترا» المنقلب عليه في عام 2006  و«أنغليك شيناواترا» – أخت تاكسين – المنقلب عليها عام 2014 كانا يمتلكان القيادة والأغلبية الشعبية وشرعية الصندوق، لكن نجح الانقلاب في الحالتين بسهولة، ومن الغريب أن تقدير الموقف في الحالتين كان مناشدة أنصارهم بعدم مواجهة العسكر، بالرغم من استعداد أنصارهم للموت وضغطهم الشديد على القيادات.

 

لماذا نجح الانقلاب في الحالتين – وهو درس يجب التنبيه عليه لكل سياسي وثوري في مصر – بالرغم من وجود القيادة والأغلبية وشرعية سابقة في الإنجاز هو غياب 3 أمور حسب رأيي:

الأول : غياب التكتل الشعبي الواسع (عابر للتأييد الحزبي حتى ولو كان صاحب الأغلبية) حتى يخرج من صنعة الاستقطاب التي أعدّها العسكر وتؤدي للانسداد السياسي وتمهد طريق التدخل، فالانسداد والتصارع السياسي والفرقة يمكنها خلق فوضى غير مرئية، ولا تنتهي ويمكنها أن تضع العراقيل دون نهاية.

الثاني : لم تكن هناك شبكات حماية يمكنها إحداث شرخ في تحالف المصالح مع العسكر والملك (كانت هناك محاولات لم تنجح)؛ مما يسمح للعسكر أن يتدثر بأثواب شتى من ذوي المصالح السياسية والاقتصادية.

الثالث : غياب القدرة الإبداعية على الضغط على معسكر الاستبداد خاصة في الانقلاب الثاني، إذ بعد الانقلاب الأول بدأت سلاسل مبتكرة من الحراك الشعبي المبتكرة التي نجحت في الضغط الداخلي والخارجي؛ مما اضطر العسكر إلى التراجع وأخذ خطوات للخلف والوصول لانتخابات جديدة.

 

إننا اليوم أمام مهام محددة للسياسيين الحاليين أو القادمين، فإما أن يمارس كلً دوره ومهمته، وإما أن نبقى في التيه، كل يصرّح ويشجب ويدين ويستنكر ويستحضر اللعنات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تم عرض البحث في مؤتمر"الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي” الذي نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات بالدوحة أكتوبر ٢٠١٦ .
كتاب تجارب التحول إلى الديمقراطية - حوارات مع القادة السياسيين - تحرير سيرجو بيطار و أبراهام لوينثال
عرض التعليقات
تحميل المزيد