عن يناير، الثورة والحُلم، عن ذلك الشهر العزيز الذي غنّى له الشيخ إمام من كلمات فؤاد نجم “كل ما تهل البشاير”. عن تلك البشاير التي لاحت منذ أربع سنوات، واستنشقنا عبيرها فسُمّيت بالربيع العربي.

عن ذلك الربيع الذي فاجأ الورود برياحه التي أسالت دموعنا، وعمقت الجرح الذي ظل ينزف حتى الآن. عن الطريق الذي بدأناه دون خوف، وعن الرفاق الذين فارقونا راغبين أو مُرغمين! عن المَيدان الذي احتضن الغرباء وجمعهم، وعن النصر الذي أشعل ذلك الميدان بالفرحة وأظهر أجمل خصالنا.

عن الهتاف الأول الذي أطرب آذاننا، وعن الحماس الذي أنعش به قلوبنا. عن الحق الذي ظهر والباطل الذي زهق. عن الوجوه البريئة التي دفعها الحب نحو عالم المدينة الفاضلة، وعن الوجوه القبيحة التي قادتها الكراهية إلى عصور الظلام. عن الحُلم الذي تبخر، وعن العناد والطمع اللذين أفسدا فطرتنا النقية، فحلّت النكسة بعدما خُضنا – مرغمين – معارك الآخرين التي ألهتنا عما أحرزناه من نصر. عن عودة المهزومين، وهزيمة المنتصرين أكتب هذه السطور.

لم يخبرنا القرآن عن عودة فرعون بعد غرقه، لكنه أخبرنا أن القصة لم تنته بالغرق، فقوم موسى استغلوا غيابه عنهم واستضعفوا هارون واتخذوا إلهًا عجلاً جسدًا له خوار لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً. ولكن موسى لم يستسلم، لم يُهزم، وظل ثابتًا على الكلمة التي أُرسل بها. بالضبط كما لم يُهزم من قبل نوح عندما دعا قومه ما يقارب الألف عام إلى رسالته الشريفة، وما آمن معه إلا القليل، الذين نجوا بأنفسهم على السفينة التي صنعها نوح وتحمل سخرية المتكبرين.

لم يُهزم صالح بعدما قتل قومه ناقة الله، ولم يُهزم إبراهيم رغم إلقائه فى النار! لكن قومه هم من بُهِتوا بتحطيمه للأصنام التي لا تضر ولا تنفع. (وأنا هنا أذكر تلك النماذج كأمثلة ثابتة في التاريخ الإنساني، ولا أتحدث عن الكفر والإيمان اللذين لا يعرف مقدارهما في قلوب العباد سوى خالقهم).

لكنهم جميعًا ثبتوا على كلمة الحق وظلوا أنبياء، رغم لحظات الهزيمة التي مرّوا بها. فهل هُزمنا نحن أم انتصرنا؟! أظن أن الإجابة لن نعرفها إلا إذا أدركنا معنى الهزيمة وقيمة النصر، فنعرف متى نكون حقًا مهزومين، ونفهم لأي المبادئ ننتصر. فقد هُزم عرابي فى ثورته التي كانت ذريعة لاحتلال مصر، ومع ذلك ظل رمزًا للبطولة بوقفته في ميدان عابدين.

لقد خلقنا الله أحرارًا، والبعض مازال يعاند تلك الحقيقة. والحقيقة أننا جميعًا سنَفنَى، والأهم ألا نفارق هذه الحياة إلا منتصرين، مهما نُلنا من هزائم متتالية بمنطق الدنيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد