في عام 1994 تحديدًا لمحت غلافًا لقصة جديدة من سلاسل رويات مصرية للجيب، وكانت تحمل اسم أسطورة النداهة من سلسلة جديدة تدعى ما وراء الطبيعة، وكان هذا العصر هو عصر أدهم صبري، أو (رجل المستحيل)، أو عصر دكتور نبيل فاروق تحديدًا (مؤلف سلسلة رجل المستحيل)، الذي لم يكن أحد ليزاحمه في مكانه على قلوب الشباب حتى جاء رجل آخر من نفس مدينة المبدعين ـ مدينة طنطا ـ رجل يدعى أحمد خالد توفيق.

رويات مصرية للجيب في حد ذاتها كانت مغامرة شديدة الخطورة لناشرها حمدى مصطفي في عصر اضمحلت فيه القراءة، وبدأ غزو السينما بما لها من سحر وحظوة في السيطرة على عقول الناس، بدا هذا الرجل الشجاع في مغامرته التى قلبت موازين السوق راسًا على عقب، عندما وجدت سلسة رجل المستحيل طريقها إلى قلوب وعقول الشباب وقد حاول هذا الناشر الشجاع بالدفع بكل المواهب الشابة التي يرى فيها الموهبة والقدرة، ولكن هيهات نبيل فاروق قد اتضح أنه حجز مكانه، ومكان غيره بالنجاح حتى جاء عام 1993 ببطلنا دكتور أحمد خالد توفيق وبطله الآخر رفعت إسماعيل.

روايات قصيرة تدعى ما وراء الطبيعة يقدم فيها أحمد خالد توفيق (طبيب المناطق الحارة) طبيبًا آخر، ألا وهو رفعت إسماعيل، دكتور أمراض الدم العجوز المدخن، متصلب الشرايين، الذي يواجه ما لا قبل له من الناحية الجسدية والصحية، وهي تيمة مشهورة عالميًا تسمى مضاد البطل، وبعد أول روياتين قلنا ماذا يمكن أن يقدمه هذا الرجل بعد ذلك؟ ماذا يمكن أن يكون في جعبته؟ لم نكن نعلم أن جعبته تحتوى على ابداع سيمتد إلى أكثر من 20 سنة؛ ليكتب بنفسه أسطورة جديدة ممتدة المفعول والتأثير، أسطورة اسمها أحمد خالد توفيق.

(أكتب لكى أفجر الأشياء والكتابة انفجارًا، أكتب حتى أنقذ العالم من أضراس هولاكو، ومن حكم الميليشات، ومن جنون قائد العصابة)، لعل هذه الأبيات الرائعة التى كتبها نزار قبانى عن جدوى الكتابة، ولماذا يكتب، هي ما اتبعه أحمد خالد توفيق في سنوات إبداعه، فقد كان يكتب لأن المعرفة مسئولية ترهق حاملها والكتابة هي الوصول إلى الكتلة الحرجة التي لابد أن تنفجر عندها المعرفة، وقد أخذت معرفته وثقافته الهائلة في الانشطار والانفجار طوال 20 سنة لم يبخل بأي شيء على قرائه الذين تحولوا إلى (ألتراس) اعتبروه حلال العقد، ونبىًا جديدًا للكتابة، التي تمس شغاف القلوب، وتتداخل مع أحلامهم وأمانيهم، بل تصنعها في كثير من الأحيان.

د. أحمد كان يكتب قصص ومقالات ويقرأ ويترجم الكثير من الأدب العالمي، خصوصًا الرعب منه، ومع كل هذا كان يمارس حياته كأستاذ مساعد لطب المناطق الحارة في جامعة طنطا، وقد عمل من قبل كمبرمج كمبيوتر هذا الزخم من الأشياء التي يمارسها في الحياة أعطاه خبرة حياتية محترمة ورؤية واقعية عن الحياة؛ مما جعله يعبر عنها في كتاباته تعبيرًا صادقًا وقريبًا من الواقع،
أما نقطة التحول في حياته المهنية عندما خرج من عباءة القصص المتسلسلة إلى فن الرواية عندما كتب رواية (يوتوبيا)، والتي قال عنها إنه وضع فيها خلاصة قلقه، والتي يتكلم فيها تقريبًا عن وضعنا الحالي، وعزلة الأغنياء عن الفقراء عزلة حقيقية واقعية ملموسة في مدينة تحاط بسور، ويحرسها المارينز، وتقتل كل من يقترب من سورها من الأغيار (لقب يهودى يطلق على من ليس يهوديًا)، وينتقل في سوداوية بين أركان مدن الفقراء ومعاناتهم، وترف الأغنياء وبذخهم حتى تنتهي الرواية بمشهد الثورة.

عندما قامت ثورة يناير ووجد أطفاله يقتلون في الميادين أطفاله الذين تربوا على أدبه، وتم تلقينهم الثورة عن طريق كتاباته لم يسارع ككثيرين لينكر عليهم ما فعلوا، أو حتى يدعوهم إلى التهدئة ويمارس معهم اللعبة الحقيرة، لعبة الناصح الأمين العارف ببواطن الأمور وجدناه يشد على أيديهم ويمد يديه له، وكان يريد أن يشاركهم هذة المواقع الدامية، ولكن ظروفه الصحية لم تسمح له بذلك، ولكن كمبدع مثله موقفه لا يسجله فقط بالنزول في مظاهرة، ولكن من خلال مقالاته تشتم فيه رائحة المباركة لأطفاله فيما فعلوه ترى الفرحة بين سطور رواياته لما فعل رجاله.

أشعر أن القطار قد وصل إلى محطة سيدى جابر، ولابد أن أعد العدة للمحطة الأخيرة، هذا ما قاله عندما توقف قلبه في أبريل (نيسان) 2011، وقد تم تركيب جهاز لقلبه لإعطائه الشحنة الكهربائية اللازمة لإنعاشه إذا توقف قلبه عن العمل، ولكن يبدو أن البيروقراطية والعفن الذي ظل يحاربه طوال حياته قد انتصر عليه، فيقال إن الجهاز يحتاج إلى بطاريات يتم تغييرها كل 7 سنوات، ولكن البطاريات توقفت لسبب أو لآخر في الجمارك، ولم يستلمها دكتور أحمد ليكون فريسة لتوقف جديد لقلبه المنهك المليء بالحب والإبداع، فتوقف عن النبض والإبداع للأبد في أبريل 2018.
أغلب البشر تنتهي قصتهم عند موتهم، ولكن دكتور أحمد بدأ فصلًا جديدًا وغريبًا من قصته بعد موته، بدءًا من جنازته التي توافد عليها من كل حدب وصوب آلاف من المحبين، والذين بكوه كما لم يبكوا أحدًا من قبل، ولأن كل منهم كان دكتور أحمد له معه قصة على نحو ما، كل منهم كان يستأنس لوجوده في الحياة، وإن لم تكن له قصة مباشرة معه، وعودته الدائمة من الموت أعطت له وجودًا أسطوريًا كالعنقاء التي تنهض من رمادها.

قبور الرؤساء تحاط فعلًا بأكاليل الزهور، ولكنها أكاليل رسمية متيبسة تشعر أنها ميتة كمن وضعت على قبره، ولكن قبر أحمد خالد توفيق تشعر أنه مرتع للحب والحياة والإخلاص الصادق، تشعر أن هذا الرجل بث من روحه حياة فعلية في قلوب قرائه فأعادوها إليه على شكل زهور وكتابات تعترف له بالجميل، وأنه أبوهم الروحي الذي أعاد شمل أرواحهم وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون،
(نيتفيليكس) ستحول سلسلته الأشهر (ما وراء الطبيعة) إلى مسلسل على شبكتها، و(جوجل) احتفل بعيد مولده، هذا التكريم الذي تأخر أنت تستحقه يا دكتور أحمد لأنك كنت على الدوام لم تقل شيئًا لم تكن تؤمن به، ولم تفعل شيئًا أنت لم تقله، لقد رأيت ملحدين وليبرايين وسلفيين يبكونك لأنهم كلهم خرجوا من عباءتك قبل أن تتفرق بهم السبل، أنت كنت دائمًا هناك تنصح ولا تشعرنا بضالة معرفتنا، وكنت تتلقى النقد ممن هم دونك في كل شيء، وانت متفهم للنزق والتهور.

شكرًا يا دكتور أحمد على هذة المسيرة المضيئة التي لا يجود بها هذا الزمن المعتم كثيرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد