أن  تقاوم المستعمر لقهر أو لفقر، فهو منطقي…

أما أن تكون من أسرة غنية، كان يمكن لها أن تنال حظوة لدى الاحتلال – حينها – ثم تختار أن تنخرط في الحراك الوطني الثوري، فهو أمر لا يصنعه إلا الثوار المؤمنون بفكر حُرّ.

حدث هذا مع العربي بن مهيدي قبل أن يحدث مع تشي غيفارا… صحيح أن العربي لم يسعفه الحظ أن ينتقل بثورته من بلده إلى العالم أجمع، لكن الظروف التي مر بها وانتهى إليها شبيهة بظروف الثائر غيفارا، غير أن محمد العربي بن مهيدي كانت له ثورته الخاصة، ولمسته التي ألقت بسحرها على الثورة الجزائرية، هذه اللمسة التي مانزال نتذكرها حينما نتذكر ثورتنا، تلك الوقفة المهيبة والابتسامة الواثقة.

يعرف كثير منا السيرة الرسمية للعربي بن مهيدي، تلك التي ارتبطت بنضاله وثورته على الاستعمار، والتي نعرف منها إيمانه بتفجيره للثورة، ومؤتمر الصومام، ومعركة الجزائر، ثم اعتقاله، فقتله، أو موته المشبوه بالاغتيال، نعرف العربي الذي قال: ألقوا بالثورة للشارع يحتضنها الشعب، هذه المقولة الحكيمة التي تبلغنا عن شجاعة تمازجها البصيرة، ومعرفة عميقة بالشعب الجزائري.

البطولات لا تُصنع في ساحات المعارك فحسب، تصنعها أيضا حياتنا اليومية، تلك التي نعيشها في بُيوتنا. ليس أقوى من مشهد يُحدِّث فيه أيقونة كالعربي أباه، أو يتحدث فيها والده عنه، أو يُحدِّثك عنه جارُه، أو لاعبٌ معه في فريق كرة قدم، أو مُمَثّلٌ معه على خشبة المسرح، أو فتى عنده في فوج كشفي، أو مُصَلٍّ إلى جانبه في مسجد.

كان العربي رجلا مُتَدَيِّنًا من الناحية السُّلوكية، إلى حدٍّ جعل بعض شُيوخِ بلدته يدعوه للتَّخفيف عن نَفسهِ، لكنَّهُ لم يُشعِر غيره يوما أن هذا شأنٌ عام، كان شأنَه الشّخصي، وعلاقته الخاصة مع الله.

كانت تلك دائرته الخاصة التي لم ير أنها تعني غيره، المشترَك فقط في الوطن والحرية؛ هذا شأننا جميعًا، وهو الذي اشتغل عليه وعاش من أجله، إذ لم يَتَخَرَّج شيخًا أو مُعَلِّمًا، بل شَدَّهُ أمر آخر.

تأخر العربي يوما  عن البيت إلى أن قَرُب آذان الفجر؛ فوجد والده بانتظاره، وقد حَيَّرَهُ، أن ولده الحَليم، الخلوق يتأخر حتى هذه الساعة، لن تتخيل ذاك القدرَ من الإحراج الذي حصل له؛ وقد فتح باب البيت ليجد أباه قُبالَتَهُ، في انتظاره، خاسفًا بصره، يَستأذِن من والده أن يصلي الفجر ليعود إليه ويخبره عن سبب تأخره.

– يا ولدي، كان عندي أملاك كبيرة؛ أخذ أهلي بعضها، وأخذت فرنسا بعضها الآخر، لم يبق لي إلا الذي تعرف (تجارة)، ليس لي إلا شرفي الذي زرعتُه فيكم ولا أريده أن يذهب سدى.

– يا أبت، ولدك لن يُخَيِّب ظَنَّك، لم أشأ أن أخبرك، لأني الآن مع ناس يعملون لأجل أمر شريف، إنه شرف بلادنا، أنا بصحبة زعماء يعملون لأجل شرفي وشرفك وشرف هذه الأمة، قد بدأت في العمل السياسي، أتعلم عنهم، وهم ليسوا إلا أناسا شرفاء، هذا ما أستطيع قوله، ولا أزيد، اطمئن.

كان العربي ثالث ثلاثة آمنوا بأن الثورة المسلحة على المستعمر، لم تعد موضوعا للنقاش لكنها برنامج للعمل.

أن تأخذك الثورة عن أسرتك، وعائلتك، أمر متوقع، لكنها لم تأخذ من العربي ابتسامته والدفء الذي أحاط به عائلته، لطالما تساءلنا هل يضحَك العظماء؟ كان العربي مع أسرته رجلًا عاديًا، كان من لحم ودم، يضحك ويلعب، هكذا تؤكد أخته السيدة ظريفة.

أن تسألك والدتك عن اليوم الذي تملأ فيه البيت أولادًا، فلا تعرف إن كان ذلك سيتحقق أم لا، فهذا ما يصنع البطل حقًا، أن يتجاوز الحياة اليومية إلى الحياة العامة التي تصنع تاريخا نعيشه اليوم، لم ينجب العربي أولادًا، وكثير من العظماء لم يوفقهم القدر  لتكون لهم أسرتهم الخاصة، الصغيرة، الدافئة، يجتمع إليها في آخر النهار، يتناول معها طعام العشاء، يتسامرون عن همومهم اليومية، أن يجدوا حلولًا لمشاكل كل يوم، أن يجددوا طاقاتهم لاستقبال الغد، أن يأخذ الصغير عن الكبير حكمته، وثقته أنّ الحياة أتفه من أن تنغص يومياتنا، أو تعكر صفونا الداخلي، أن يلتمس الكبير من الصغير براءة الضمير، ونظرته الملائكية للأمور، وتفاؤله الطبيعي، وغَفلته الجميلة عن مزاجيتها، أن ينام ليلًا وتحت جنبه ولده الذي خاف من المبيت لوحده؛ لأنه يخاف الظلام، وأن يقوم صباحًا ورجله الصغيرة تلامس خده… كل ذلك لم يذق طعمه العربي بن مهيدي، كانت رفقته، أصدقاؤه الثوار، وكان سمرهم يدور دومًا عن أحوال الشعب مع الثورة، وعن مدى صبرهم على ويلاتها، لم تكن الحياة معهم مزاجية، كانت مكشرة دومًا عن أنيابها.

إذا ما أردت أن تُحَلِّلَ شخصيَّة كالعربي بن مهيدي، فإنك تجدُ الصرامة قد مازجتها الرّحمة، الصّرامة التي نعرفها عنه في حياته العامة، والرحمة التي عنونت علاقاته حين تضع الحرب أوزارها، أو حين يعود إلى البيت، أو حين يكلم رفقاءه وأصدقاءه.

حين قبض على العربي، في مخبئه، قام وقد أقرَّ لخصمه بهذا النصر المؤقت. وكأنه جنرالٌ يحدِّث جنرالا، مع أن العربي ليس إلا رجلًا ثوريًا، والثورات تصنع قادة معنويين.

لا يمكن أن يُؤَكِّدَ أحدٌ اليوم الظروف الحقيقية لأَسْرِ بن مهيدي، قد كان صيدًا ثمينًا، ولم يكن مُتوقَّعًا، ربما، المهم أنه أُسِرَ.

أن تحمل بين يديك قيدًا، تعلوه ابتسامة المنتصر، هذه صورة هوليودية لا تتحقق دومًا على أرض الواقع.

كان والده يصلي يوما في باحة البيت، حتى زاحم سمعه خبر الراديو، القادم من من ركن الساحة، كان صوتًا خافتًا، مشوبًا بخشخشات تقطع عنك كلمة كنت تنتظرها، أو اسمًا تريد أن تسمع كل أخباره، كانت الصغيرة ظريفة تبادر بأناملها الصغيرة المقبس الكبير، حتى تضبط لسان الراديو على موجة إذاعة الثورة الجزائرية، وكانت تحرص ألا يكون صوت الراديو عاليًا، حتى لا يخرج من بهو الدار إلى الشارع، كان مسموحًا لها فقط أن يبلغ صوته أذنها هي أو من يجلس لجنبها، رغم كل هذا بلغَ الشيخَ الخاشعَ خبرٌ قطعَ عنهُ صلاتَه:

-قُتل العربي بن مهيدي نفسه شنقا في سجنه… هكذا جاء في الخبر.

ذُهِلت الصغيرة، وهي تَنظر إلى أبيها، وقد سَلَّم، وأخذ يسترجع مُحَوقلًا:

– ولدي، الرجل الذي ربيته، ينتهي وقد قتل نفسه، ينهي حياته مغضوبا عليه…بعد لحظات ألقى من فمه كتلة من الدم، كأنه ودَّع بها فلذة كبده.

هل كان ضروريًا أن يُقتل رَجُلٌ كالعربي بن مهيدي؟

الرجال الذين يصنعون الثورات، يتصفون بالنَّقاء، لا يعيشون طويلا إما إن يُنهكهم ذلك النّقاء، فتلفَظهم الثورة نفسُها، أو يكونوا في المقدِّمة فيسقطون بين يدي العدو، هناك كثيرون لا يحبون رجلًا كالعربي حيا بين أظهرهم، إنه يذكرهم بمدى حقارتهم أمام عظمته المُهيمنة على نفوسهم، لا يريدون أن يفاوضوا رجلًا كالعربي حين يجلس الجميع إلى طاولة المفاوضات.

كانت الثكنة العسكرية التي يقيم فيها بيجار معسكره ملأى بالجنود، مُدجّجةً بالسلاح، تمنعُ الحواجزُ الشائكةُ السيارات من المرور أو الاقتراب، وإذ بالشيخ الوقور يسلك طريقه إلى مركز القيادة في حلة عربية وقورة، توحي بالمكانة الاجتماعية العالية، وكان الجنود يحيونه يظنونه أحد الباش آغوات، استأذن على مكتب بيجار، دخل وجلس، حينها كان بيجار، يسأل جنوده عن نتائج الاستنطاق مع العربي بن مهيدي، فأخبره جنوده أنهم لم يستطيعوا معه شيئًا، كانت صورته موجودة في المكتب، تفصل بيجار عن الشيخ الذي كان جالسًا.

– أنتم رجال؟ لو كان عندي ثلاثة كالعربي بن مهيدي – وأشار للصورة المُسَجّاة على جانبه – لَغَزوت العالم.

كانت السكينة قد سَرَت لقلب الشيخ، تَوَجَّهَا اعتزازٌ وافتخارٌ بولده العربي.

حينها انتبه بيجار للشيخ الجالس خلف الصورة إلى اليسار، فسأله:

– من الشيخ؟

– أنا والد هذا الرجل.

أقلع بيجار حينها من مكتبه إلى الجهة القابلة، يظن أن والد العربي سيقتله في الحين، كانت تلك حركة قتالية يُتقنها المظليون، وكان بيجار عقيدًا خاض معارك عديدة، كانت الهزائم تلاحقه من ديان بيان فو إلى الجزائر، كان قد تلقى رصاصتين في الجزائر العاصمة كادتا أن تذهبا بروحه، لذلك كانت قفزته تلقائية.

طَمأَنه الشيخ عبد الرحمن:

– لست مسلحًا، لو كان الحظ في صف ولدي العربي لكان هو الذي قتلك، لكن الحظ كان في صفك.

-ماذا تريد؟

-أريد منك كلمة الشرف العسكرية، أن تريني قبر ولدي حتى أترحم عليه.

-لك ذلك، على أن تعطيني كلمة كتلك التي يقدمها ولدك العربي؛ ألّا تفتح القبر.

-لك ذلك.

وقف الشيخ على قبر والده، قرأ عليه الفاتحة، وانصرف. ليس سهلًا أن تترحَّم على ولدك، وأن يدفن وأنت حي. كان العربي مخيفا حتى في قبره وهو كذلك لنهار الناس هذا، وإلا مالذي يجعل رفيقًا له أو أحد من ناضل معه، يطعن تاريخه رفيقه وقائده في الظهر، ويُصرح بأن بن مهيدي لم يرم رصاصة واحدة في وجه المستعمر، أتساءل: أين كان هذا الرجل حين اجتمع الستة لتفجير الثورة، وحين خطُّوا بأيديهم بداية معركة التحرير الأخيرة، هل كان يتجول في شواطئ العاصمة؟ أم كان يرتشف كأسًا من الشاي.

رجل كالعربي بن مهيدي، لم يعش لأجل مال، سَلَّمَ في تجارة عائلته، حتى أنه باع شيئًا من تجارته الخاصة لأجل الثورة، لم يسعفه الوقت أن يؤسس أسرته الصغيرة كما فعل أقرانه، لم يسعَ لمجدٍ سياسي، في كراسي المجالس المنتخبة، منذ أن بدأ نضاله ضمن حزب الشعب، والمنظمة الخاصة، وهو يخدم هدفا واحدا: جمع كل ما من شأنه أن يحرر الجزائر نهائيًا من وضعيتها الاستعمارية، إلى وضعية جديدة، تكون فيه وطنًا حرًا، ديمقراطيًا، اجتماعيًا، يتحرك نحو الأمام ولا ينظر أبدًا للخلف. لم ينقل أحد عن العربي يومًا أنه كان مُتعاليًا، أو طالبًا لسلطة، كانت أفكاره، مبادراته، تأملاته في وضعية الناس، والثورة، هي التي تُبَوِّئه ما يتولاه من مسؤوليات، كان رجلًا يصنع التاريخ.

التاريخ هذه الكلمة التي تلوكها ألسنتنا اليوم كثيرًا ؛ نتحدث عن أحداث ووقائع، في جلسات سمر، أو تحت المكيفات، أو في قاعات المؤتمرات، ونتخاصم أحيانًا لأننا نؤيد هذا أو ذاك، وقد نُحمِّل شخصًا ما كل أوزارنًا السابقة واللاحقة، لكننا لا نعرف أبدًا الأهوال والضريبة الموجعة التي دفعت لأجل أن نجني ثمراته اليوم، قل ما شئت: نضجت الثمرة أم لم تنضج، قطفت قبل أوانها، أم لا، المهم أن غِراسًا ما قد غُرس ورُعِيَ حتى أضحى مُنتجًا ومُثمرًا، ما الذي فعلتَه أنت حتى تجدد  هذه الثمار؟ بعضنا للأسف يفكر في قطع الشجرة من جذورها، إنه الجنون… بعضهم لا يرفع يده حتى ليلتقط الثمار، أو يمسح عنها شيئا من الغبار، إنه ينتظر فقط تحت الشجرة، مُعوِّلا على قانون الجاذبية حتى تسقط  ثمرة ما  فيأكُلَها.

أيها الشهداء اعذرونا لم نُدافع عنكم كما يجب.

بعض الناس لا تزعجهم المرجعية الثورية الحديثة، هو الذي يريد ثورة أخرى، يصنع فيها مجده الخاص.

الثورة حدث تاريخي، ولا تزال الثورة الجزائرية تحظى باحترام المؤرخين المعاصرين، لنطرح السؤال من زاوية نظر معاكسة: ما الضير في أن تكون الثورة حدثًا مرجعيًا؟

هناك فرق بين أن نتحدث عن حدث كبير كالثورة، وبين أن نتوقَّف عنده، أو نحنِّط أنفسنا في قوقعته، فلنتقدم إلى مشاريع جديدة.

لا يمكن أن نقيس أثر حدث في التاريخ إلا يما يترتب عليه من تغيرات عميقة.

وأن نراجع أنفسنا، أو نزيل القداسة عن تاريخنا، لا يعني البتة أن نمرِّغ به في التراب ونجعله مستباحا إلى هذا الحدّ، فلنترك الأمر لأهله، للمؤرخين كلمتُهم في هذا، أولئك الذي ليس لهم حسابات ذاتية لم تُسوَّ بعدُ.

لم تكن الثورة بوصفها معنى كبيرًا حَرَّك الكثيرين، نابعة من نزعةٍ أو انتماءٍ ضَيِّقٍ، قد استطاعت لأول مرة منذ زمن بعيد أن تجمع الناس على هدف واحد؛ هو التحرير، وقد كان لها ذلك، هذا هو انتصارها الحقيقي.

وما دام الأمر كذلك فلم يعد من دافع تاريخي للرجوع إلى تلك النَّزَعات أو النَّعرات.

حين جاء أحد الضباط الذين سجنوا العربي بن مهيدي، يريد أن يَحتويَه، ويلعب على أوتارٍ يظن أنها تُطربه، قال له: إنك قد سُلِّمت لنا خيانةً، وأنّ أصدقاءك هم من خانوك، رد عليه مبتسمًا:

– مُرَّ لشيء آخر ولا تُصَدِّق هذا الحديث.

ما الذي يصنع الانتصار الذي حققه العربي بن مهيدي وحققته الثورة معه وهو سجين؟ إنها تلك الانتصارات النفسية التي تجري في حوارٍ تُجريه مع خصمك.

كان حراسه، مفتونين بشخصيته، الهادئة، الحكيمة؛ كلامه، أفكاره، حواراته، ثقافته، كل ذلك، المثالُ الذي جَسَّدَهُ، جعل جلوسهم إليه، حدثًا لا يُعَوَّض. ولذلك كان موت العربي بحد ذاته مشكلا عانوا منه إلى حد الساعة، لم يتصوروا أن رجلًا مثله يقتل.

ما كان من الضابط المسؤول عنه حين سلمه لجلاديه إلا أن قدم له التحية العسكرية، تقديرًا لرجل عظيم كالعربي.

كان العربي يصلي في أحد المساجد، حين بدأ نضاله الوطني، فسأله أحد معارفه من المقرَّبين لأسرته، عن حاله مع السياسة، دون أن يُصرِّح له بذلك، فأجابه: من أجل هذا البلد نحن مع السياسة حتى النهاية، فإما أن تُفنينا، وإما أن نَفنى لأجل ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

وثائقي قناة البلاد "#العربي_بن_مهيدي..حكيم الثورة" (الجزء الأول)
وثائقي قناة البلاد "#العربي_بن_مهيدي..حكيم الثورة" (الجزء الثاني)
شهادات محكية من بعض من عاصر العربي بن مهيدي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد