على عكس ما بدا لنا في الساعات الأولى، وما صرح به القادة الأتراك بحنكة سياسية، من أن الانقلاب الفاشل قام به فصيل صغير داخل الجيش، فإن ما تبين للجميع الآن أن الانقلاب كان كبيرًا ثقيلًا متغلغلًا في جميع الجيوش والمؤسسات، بشكل يصعب معه التصديق أن التخطيط والتمويل كان من داخل تركيا!

وشيئًا فشيئًا ترشح معلومات عن الدور الأمريكي في هذا الانقلاب، أظهرتها الصحف الأمريكية ذاتها، وأحاديث عن دور للأمريكان المتواجدين في قاعدة إنجرليك الجوية التركية في إدارة هذا الانقلاب!

وقاعدة إنجرليك الجوية هي مطار عسكري يتبع القوات الجوية التركية، ويقع في مدينة أضنة أقصى الجنوب التركي على البحر المتوسط، قبلت تركيا بعد مفاوضات العام الماضي على أن تستخدمها الولايات المتحدة ضد داعش.

لنأخذ ما قالته صحف الولايات المتحدة ذاتها بشأن الدور الأمريكي في هذا الانقلاب:

  • في تحليل بصحيفة واشنطن بوست الأمريكية الشهيرة؛ نسبت الكاتبة «كارين دي يونغ» إلى مسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية -رفضوا الكشف عن هوياتهم- يوم الجمعة، قولهم إنهم كانوا «على علم بما يحدث في تركيا».

ما الذي تعنيه كلمة كانوا على علم؟ ولم رفضوا الإفصاح عن هوياتهم؟ ولم البنتاجون رغم أن النفي الأمريكي جاء من الخارجية التي لا تشرف عادة على أي انقلابات؟!

  • صحيفة نيويورك تايمز الأوسع انتشارًا أكدت أن جنرال انقلابي «هو قائد قاعدة إنجرليك الجوية» طلب اللجوء إلى أمريكا ورفض طلبه.

ولم أمريكا وليس اليونان القريبة، أو سوريا التي أعلن مؤيدون للأسد استقبال ضباط انقلابيين ودخولهم سوريا!

هل يمكن أن يكون هذا القائد قد انخرط في هذه العملية الانقلابية وظهره مكشوف؟ أو فوجئ بفشل الانقلاب ففتش في أجندة مكتبه عن رقم السفارة الأمريكية فوجدها لحسن حظه؟

  • القنصلية الأمريكية في أضنة «حيث توجد قاعدة إنجرليك» أفادت أن السلطات التركية فرضت طوقًا أمنيًّا على قاعدة إنجرليك الجوية، حيث تتمركز طائرات أمريكية وأخرى تابعة لدول أخرى من التحالف الدولي.

وقالت القنصلية الأمريكية في أضنة في رسالة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا إن «السلطات المحلية ترفض السماح بالدخول والخروج من قاعدة إنجرليك الجوية، وتم كذلك قطع الكهرباء عنها».

وأضافت: «يرجى تجنب القاعدة الجوية حتى تعود العمليات إلى طبيعتها» دون مزيد من التوضيح.

وبعد ثلاثة أيام يتم اعتقال سبعة جنود أتراك من القاعدة على خلفية الاشتراك في المحاولة الانقلابية!

  • بيان للسفارة الأمريكية في إسطنبول وصف الانقلاب في بدايته بالانتفاضة التركية Turkish uprising، ثم صمت أمريكي وغربي تام طيلة العملية المضادة لإجهاض الانقلاب، قبل أن يخرجوا بعد تأكد فشل الانقلاب، بكلام مائع لا يحمل كلمة إدانة واحدة للانقلاب حتى الآن!
  • في شهر مارس الماضي، أكد السيناتور الأمريكي مايكل روبين أن جهات سياسية في أمريكا مستعدة لدعم انقلاب ضد الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان.  وتوقع روبين، بحسب ما نقل موقع «Oda TV» التركي أن الولايات المتحدة ستدعم أي طرف يقوم بانقلاب على   أردوغان.

تتجه الأنظار إذن للولايات المتحدة، اتهامًا لها بالضلوع في هذا الانقلاب، كغيره من الانقلابات التي دبرتها واشنطن طيلة القرن الماضي، من الانقلابات في سوريا في الأربعينات، إلى الانقلاب في مصر في 1952، إلى الانقلاب على د. مصدق في إيران في 1953، إلى باقي الانقلابات التي حصلت في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وانتهاء بانقلاب 3 يوليو على الرئيس محمد مرسي في مصر!

والاتهامات الموجهة لواشنطن ليس فقط لإيوائها فتح الله كولن زعيم التنظيم الموازي، المقيم في بنسلفانيا منذ عشر سنوات، ولكن خيوط الدور الأمريكي في هذا الانقلاب بدأت تظهر شيئًا فشيئًا.

هل عرفنا الآن السبب الحقيقي لسحب أمريكا بطاريات باتريوت من تركيا نهاية العام الماضي؟ الآن لا يمكن إسقاط طائرات إف 16 انقلابية إلا بطائرات إف 16 مماثلة! فهل يملك أردوغان طائرات موالية للشرعية بشكل كافٍ؟

***

نقطة أخرى مثيرة للانتباه، وهو الانتقاد الغربي العلني والمسعور للاعتقالات التي قامت بها الحكومة التركية ضد الانقلابيين! لقد انتقدوا الاعتقالات التي تمت بحق الانقلابيين أكثر مما انتقدوا الانقلاب ذاته، والتلميح أن قوائم الاعتقالات أعدت مسبقًا، مما دفع وزير الخارجية التركي إلى اعتبار هذه الانتقادات ترقى لدعم محاولة الانقلاب!

وليس هناك شك أن كثيرًا من الموقوفين كانوا شركاء في هذه العملية الانقلابية، واعتقالهم يجعل واشنطن تخسر استثمارات بالمليارات امتدت لسنوات في هؤلاء القادة الأمنيين والعسكريين والقضاة والشرطة! والضغط الغربي على تركيا الآن يهدف لمنع أردوغان من تطهير المؤسسات بالكامل.

تركيا فيها أربعة جيوش عاملة؛ ثلاثة منها اشترك قادتها في الانقلاب «قادة الجيش الثاني والثالث والرابع». هل يكفي اعتقال رؤوس هذه الجيوش فقط؟ وهل كان الانقلاب ليحدث بمشاركة هؤلاء القادة الثلاثة دون مشاركة فعلية من هذه الجيوش؟ ودون تمويل سخي، قام به على ما يبدو الملحق العسكري التركي في الكويت وآخرين!

اعتقال 3000 عسكري تركي قد يبدو رقمًا كبيرًا، لكنه رقم صغير للغاية مقارنة بتعداد القوات المسلحة التركية، والقوات المشكوك في ولائها داخل الجيش!

حتى موقف المعارضة التركية لم يكن ليخدعني؛ ولا أكون مبالغًا إذا قلت إن قيادات في المعارضة التركية كانت تنتظر المجلس الرئاسي الانقلابي لتتعامل معه، وترحب به. ولعل البرادعي التركي كان يسأل إبراهيم عيسى التركي ما رأيك في هذه التغريدة؟ لكن عيسى بتاعهم أذكى من عيسى هنا، فنصحه بالانتظار حتى يتأكد نجاح الانقلاب، فليس من الذكاء دعم انقلاب لم يستقر،  ليعلقوا على أعواد المشانق!

وماذا بعد؟

انقلاب 15 يوليو في تركيا يشبه انقلاب الاتحادية الفاشل في مصر ديسمبر 2013، أكثر مما يشبه انقلاب 3 يوليو.

وقد تعلمنا من التاريخ القريب أن انقلاب الاتحادية الفاشل أتبعه محاولة جديدة ناجحة بعدها بشهور. وعليه فإن تركيا إذا رضخت للضغوط في التعامل مع الانقلابيين، فإنها ستكون في مواجهة انقلاب جديد!

تعافي رجل أوروبا المريض أزعج الغرب بشدة، فتركيا يجب أن تكون مريضة وإذا تعافت ففي وجه روسيا فقط! لا نبالغ إذن إذا وصفنا الانقلاب بأنه انقلاب كوني -مع عدم الاعتذار لإعلام بشار الأسد- لأمريكا دور رئيس في تدبيره، وللخليج دور محوري في تمويله، ولعملاء أتراك على الأرض وداخل الجيش مهمة التنفيذ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا
عرض التعليقات
تحميل المزيد