تمثّلُ العلاقات الإنسانيّة محورًا أساسيًّا في حياة كلّ شخصٍ، فالحاجة والضّرورة تحثّان أفراد المجتمعات للتّواصل فيما بينهم؛ كما أنّ فطرة الإنسان تدفعه للتّعايش مع الغير. لذلك فَإِنَّ العلاقات بين البشر متعدّدة، يسودها الاختلافُ والائتلاف على حدّ السّواء.

ويعتبر الزّواج من أهمّ العلاقات الإنسانيّة حساسيّةً، فهو تلاقي شخصين غريبين لكلّ منهما حياته الخاصّة، واختيارهما لصنع كيانٍ مشتركٍ تبنى عليه أسرة قوامها الألفة وحسن العشرة؛ وتعتبر الأسرة اللّبنة الأولى في بناء المجتمع وعلى آثارها تكون تركيبته إمّا بالصّلاح أو الطّلاح.

في مجتمعاتنا نجد كثيرًا ظاهرة الزّواج المهمّش، ذلك الّذي يقوم دون دراسة أو تروٍّ، أو محاولة لاكتشاف شخصيّة الشّريك. فكثيرون هم الّذين يعتقدون أنّ الزّواج مجرّد إجراء عشوائيّ يتوجّب عليهم خوضه حتّى يحقّقوا مكسبًا حياتيًّا، معتبرين الزّواج هدفًا وليس مرحلةً من مراحل الحياة.

وبذلك فإنّ العواقب غالبًا ما تكون غير سارّة، فإمّا أن تنتهي العلاقةُ مبكّرًا -وقد لا تتعدّى بضعة أشهر- إثر إنكساراتٍ من الطّرفين، أو تكون باختيار المواصلة حتّى النّهاية في ظلّ أجواءٍ مشحونة تؤدّي إلى صنع ناشئةٍ مبعثرة غير متوازنة نفسيًّا؛ وبالتّالي فإنّ ذلك يعود سلبًا على المجتمع ككلّ وتبقى تبعاته حتّى أجيال أخرى.

وقد ارتفعت نسب الطّلاق بصفة كبيرة خاصّة في السّنوات الأخيرة، وهذا ما يدفعنا للتّساؤل عن الأسباب والبحث عن حلول تحدّ من انتشار هذه الظّاهرة، وتخلق وعيًا بأهميّة هذه العلاقات الإنسانيّة الّتي تقوم على أُسسها المجتمعات.

على المرءِ ألا يتعسّف على نفسه فينصفها ويوليها حقّها.. فلا يتخلّى عن علاقة ما قبل الزّواج!

لبناء زواج متين الرّكائز، على الشّخص أن يدرس خطواته منذ البداية، فيتحمل مسؤوليّته في صنع القرار الصّائب. وأوّل خطوة عليه أن يقوم بها فلا يتجاوزها أو يتجاهل قيمتها، هي فترة ما قبل الزّواج.

والقصد بذلك «فترة الخطوبة»، الّتي تمثّل خطوةً أساسيّة في بناء زواج ناجح، بل وتعتبر حجر الأساس في العلاقة؛ لأنّها تتيح لكلا الطّرفين التّعرف عن طريق التّعامل العقلانيّ والسّعي لاكتشاف الشّخصيّات والطّبائع، والتّحدّث في المواضيع الدّقيقة دون تأجيل لما بعد الزّواج؛ حتّى يكون الطّرفان على بيّنة من أمرهما منذ البداية.

وتقوم العلاقات بين الجنسين على اختلافات سيكولوجيّة، يتوجّب معها تفهّم كلّ طرف للآخر حتّى يحصل التّوافق؛ هذه الاختلافات أولاها المفكّرون والعلماء حيّزها اللاّزم من الاهتمام، وبذلك قامت العديد من الدّراسات والكتب والمقالات الّتي توجّه كلّ مقبل على الارتباط، حتّى يحقّق وعيًا بهذه العلاقة ويفهم الطّرف المقابل؛ ومن أشهر الكتب نجد كتاب «الرّجال من المرّيخ والنّساء من الزّهرة» للمؤلّف الأمريكي «جون جراي».

فترة الخطوبة، يتلقّاها كثيرون بمفاهيم مغلوطة متوارثة من محيطهم، فهناك فئةٌ لابأس بها تعتقد أنّ الخطوبة مجرّد إجراء معمول به «للتّعارف» وليس «للمعرفة»، أي أنّهم يقيمون خِطبة لمجرّد التّعرف السّطحي على الشّخص المقابل والخوض مباشرةً في استعدادات الزّواج؛ فيكون آخر همّهم معرفة الشّريك: شخصيّته، وطريقة تفكيره، وتفاعلاته مع محيطه، ونظرته للمستقبل…

وهناك آخرون يعتقدون أنّ هذه الفترة تقام للاستمتاع لا أكثر، فيقع تأجيل كلّ ما قد يوتّر العلاقة أو يخلق أجواء مشحونة. ثمّ يقع تجاهل الأخطاء والعيوب وعدم الخوض في المواضيع المهمة وتركها لما بعد الزواج.

وفي كلتا الحالتين يقع تغييب ضوابط فترة الخطوبة وأُسسها الّتي تجعلها لا تقل أهميّة عن قرار الزّواج.

لا مزيد من التصنّع.. ولا ضير من المجاملة

كثيرون هم الّذين يقعون في فخّ التصنّع والتلوّن، ليس خداعًا وإنّما سعيًا لتحسين صورهم أمام الطّرف الآخر بجميع الطّرق، وإن كانت تتنافى مع طبائعهم وقناعاتهم. فيجتهدون لمجاراة الشّريك والموافقة على كلّ آرائه تجنّبًا للنّقاش والخلاف؛ وقد تصل الاختلافات لعمق يصعب على الطّرفين تحمّله، وتحدث صراعات خفيّة غير مصرّح بها.

لكن يقع غضّ الطّرف ومحاولة التّغيير والتغيّر في سبيل مواصلة العلاقة، فلا يكون الارتباط قائمًا على الصّراحة والتّصالح مع الذّات ومع الشّريك؛ ومن ثمّ تبدأ تبعات هذه المعادلة المغلوطة في الظّهور مباشرة بعد الزّواج، مصحوبة بصدمات متتابعة تُؤدّي إلى التوتّر وفقدان الثّقة في الشّريك.

نوع آخر من التكلّف يقام بدعوى تجربة الشّريك، فتمارس عليه اختبارات مخطّط لها مسبقًا بحثًا عن ردّة الفعل وكيفيّة التصرّف إزاء الأمر، وهذا يعتبر استفزازًا لا جدوى منه؛ لأنّ المواقف الحقيقيّة هي الّتي تكشف معادن البشر.

دعوة لمعرفة الذّات

أحيانًا قد يعاني المقدم على العلاقة من التباس في فهم نفسه ومعرفة شخصيّته، فلا يدرك حقيقة نظرته للحياة ورؤيته للمستقبل، ولا يرسم أهدافًا يمضي بها قدمًا؛ وبالتّالي فهو غير مخوّل لمعرفة الآخر وتقييمه، وغير قادر حقيقة على أخذ قرارات واضحة.

فيظهر جليًّا تردّده أمام كلّ فكرة أو قرار، ويسقط في الإحراج؛ كما أنّه يفقد تقديره لذاته ويكون ضعيف الشخصيّة أمام الطّرف المقابل. فإمّا أن يصبح عنيفًا سعيًا لرتق عجزه وضياعه، وإمّا أن يصبح تابعًا منقادًا لقرارات الأهل والشّريك.

بعد النّظر في العلاقة واجب.. والتّهاون يؤدّي إلى النّدم

كثير من المقبلين على الزّواج يكتشفون في مرحلة متقدّمة من الخطوبة أنّهم غير متكافئين وغير منسجمين، فتجد كلاّ منهم يفكّر بطريقة مختلفة تجعله لا يتقبّل شخصيّة الآخر.

وهناك منهم -رغم معرفتهم بسلبيّة العلاقة- يغضّون الطّرف ويواصلون حتّى النهاية؛ والأغلبيّة الّذين يقدمون على أخذ هذه الخطوة الخاطئة يعزّ عليهم الانفصال بعد هذه المدّة، ويفكّرون في ما سينتج عن ذلك من توجّه الأنظار ناحيتهم وكثرة التّساؤلات من قبل البقيّة؛ متناسين تبعات هذا القرار المصيريّ.

يفكّر البعض أنّ الزّواج يخلق الانسجام، وبذلك لن تكون تلك العيوب -الّتي رفضوها ولم يتجاوزوها- عائقًا أمام سعادتهم، ويعتقدون كذلك أنّ في استطاعتهم تغيير عيوب شخصيّة الشّريك بعد الزّواج؛ وذلك أبدًا لا يستقيم، فمن لم يقرّر التغيّر مسبقًا لن يفعل ذلك بعد الزّواج، بل ستزيد حدّة تلك السلبيّات مع التّواصل اليوميّ وتعدّد مشاغل الحياة الزوجيّة.

يعتقد آخرون أنّ الحبّ كفيل برتق كلّ خلاف، متناسين أنّ البون شاسع بين الحبّ والتّفاهم!

الارتباطُ النّاجح أساسه الثّقافةُ داخل البيت

كثير من الأُسرِ يعلّقون في أذهان أبنائهم أنّ الخِطبة ستكلّل بالزّواج لا محالة، وذلك يعني أنّه لا سبيل إلى التّراجع مهما وصلت المشاكل بين الطّرفين إلى ذروتها.

وقد نجد في بعض الثّقافات عدم إجازة تعرّف الشّريكين بشكل جيّد، يخوّل لهما معرفة كنه الشخصيّات، وغالبًا ما يكون ذلك بممارسة ضغوطات إمّا خفيّة أو معلنة.

وهناك أسر لا يتطرّقون للأمر وكأنّه فتنة ما، ولا يولون الموضوع حيّزه اللّازم من النّقاش والتدبّر. على خلاف عائلات أخرى، يتدخّلون أكثر من اللّازم فيسمحون لأنفسهم بالخوض في خصوصيّات طرفي العلاقة، ثمّ التحكّم في مسار الأمور.

طبعًا فإنّ كلّ ما سبق ذكره لا يستوي، فالأسرة دورها المراقبة المتّزنة، وتقديم الدّعم والإرشاد، وإسداء النّصيحة.

نختم بالتّذكير أنّ الخطوبةَ مكسبٌ شرعيّ على الطّرفين استغلاله حقّ استغلال، حتّى تكون الأمور جليّةً، وعلى أساسها يتحدّدُ مستقبل العلاقة.

وعلى كلّ مقبلٍ على الزّواج أن يتذكّر دائما أنّه رزق حياة واحدة فلا يهمّشها ولا يضيّعها من أجل اختيار خاطئ؛ بل إنّه يستحقّ أن يعيشها بكلّ تفاصيلها الرّائعةِ القائمة على المودّة والرّحمة والتطوّر نحو النّجاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!