تتحدد اتجاهات الشخص في الحياة وفق المعطيات، والضغوط، والمكاسب الموجودة على أرض الواقع! ويجب أن يُعمل الإنسان عقله في الحكم على الظواهر بدون الجنوح إلى العاطفة التي تجعل رأيه منحازًا إلى قول ما، وكذلك يجب أن يكون هناك موضوعية في النقد فيجب تبيين السلبيات والإيجابيات، وإلا سوف يصبح الأمر ما بين المدح أو القدح، ولا بد أن يقف المرء على مسافة واحدة متوازنة ومتوازية بين كافة الأطراف التي توضع تحت المجهر حتى يصبح الحكم أقرب إلى الحق والصواب.

وهذا الموضوع الشائك الذي نحن بصدده يجب أن ينظر إليه من كافة الزوايا والاتجاهات دونما إغفال أي نقطة؛ حتى لا يفصلنا الخيال عن الواقع. كذلك لا بد ألا يحملنا الكره والحقد للغلو في رأي دون النظر إلى الحقائق الموجودة علي الساحة مصداقًا لأعظم قاعدة ربانية أرساها المولى جلا وعلا في كتابه الكريم، إذ قال: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» «المائدة: 8».

يلاحظ في الفترة الأخيرة أن كثيرًا من الفلسطينيين بدأوا بكره حماس كرهًا شديدًا لأجل أسباب عدة لها منطق في التبرير، وتحميلها التبعة كاملة فيما يجري على أرض قطاع غزة المحاصر، وحتى في الضفة المحتلة، ومن بعض الكلمات التي سمعتها بأذني من أحد النخب الفلسطينية المثقفة أن حماس هي الخطأ بعينه لأنها سبب إيقاف عجلة الحياة في غزة، وقد وجدت حزبًا سياسيًّا ينافس على السلطة متدثرةً برداء الدين وفقط، كما أن جماعة حماس يتنعمون، ويأكلون، ويشربون، أحسن ما يكون، بينما لا يجد الشعب الفلسطيني فتات الخبز الذي يقتات عليه.

كما أن الإخوة الحمساويين إقصائيون، ولا يحتملون الرأي الآخر، وينقمون على كل فلسطيني ينتمي إلى حركة فتح، وصار الحقد عنوان الحقبة التي نحياها، وصار الاستقطاب السياسي القاعدة التي ينبني عليها معظم أمور الحياة، فإما أن تكون معنا، وإما إنك علينا. كما أن حماس صارت تلعب بورقة المليون ونصف مدني داخل قطاع غزة ككارت ضغط على الأنظمة العربية سواء بسواء، من أجل استجلاب المساعدات مادية كانت أو عينية.

فهل حماس صارت هي المشكلة، وهي السرطان الذي إن اجتث من قلب الأمة فسوف تصحو فتية عفية والحياة تتحرك وتسير العجلة إلى الأمام؟! أولًا: إعمالًا لمنطق الحق لا بد أن نتذكر عدة معاني تتفق أو تختلف معها، فهي واقع يجب أن يقال:

حماس تظل حركة مقاومة وتحرير خرجت من الرحم الفلسطيني. حماس هي الوحيدة إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي ومن نحى نحوهم ممن حملوا السلاح من أجل الدفاع عن الأرض والشعب الحر. حماس لم تعترف بالكيان الصهيوني دولة، ولم تجلس معه على طاولة المفاوضات، وإنما نظرت إليه كيانًا إمبرياليًّا توسعيًّا غاصبًا محتلًا، يجب أن يقاوم على كل الأصعدة، وفي كل الأحوال. حماس لا تتلقى الدعم الذي يجب أن يستحق من الأنظمة العربية، بل إنها في المقابل تتلقى ضغوطًا واستفزازات من أجل تصفية القضية الفلسطينية.

في الحين ذاته تلام حماس على تلقيها دعمًا إيرانيًّا، أو من حزب الله اللبناني، أو النظام السوري في ما قبل اندلاع الثورة السورية، ولا ينظر المجتمع الفلسطيني الآن، الذي ضاق ذرعًا من المشاكل الإنسانية على أرض القطاع، والذي عبرت عنه الأمم المتحدة في تقرير سابق، صدر في عام 2012، «من أن يصبح الشريط الساحلي الفلسطيني الضيق «غير صالح للحياة» بحلول عام 2020، في حال عدم القيام بأي عمل لتخفيف الحصار. وحذر منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية روبرت بايبر، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من أن «كل المؤشرات تسير في الاتجاه الخاطئ». ونقلت الصحافة الفرنسية، في القدس، عن بايبر قوله: «توقعنا قبل سنوات عدة أن يصبح قطاع غزة غير صالح للحياة، استنادًا إلى مجموعة من المؤشرات، والموعد النهائي يقترب فعليًّا بشكل أسرع مما توقعنا؛ من الحصول على الخدمات الصحية، إلى الطاقة والمياه». وأشار بايبر إلى أنه «عندما تقتصر الكهرباء على ساعتين يوميًّا، وعندما تقارب معدلات البطالة بين الشبان 60%، ويجري الحد بشكل كبير من حصول (المواطنين) الأضعف، مثل مرضى السرطان، على الخدمات الصحية المتقدمة… إلخ».

وفي خضم كل ذلك حدث ما توقعه ساسة ومناضلون وأدباء فلسطينيون قدامى، أمثال «ناجي العلي» -رحمه الله- الذي كان يقول أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة والعمالة وجهة نظر، بل الأدهى والأمر أن هؤلاء الخونة يخونون ويصفون كل من يخالفهم بالعمالة.

فماذا يسمي أيتام أسلو المزعومة التنسيق الأمني مع العدو، والتسليم المطلق لسياسات الحكومة الصهيونية والوقوف في وجه المقاومة، والعمل على تسليمها ونزع سلاحها، وإسكات كل صوت حر معارض، حتى ولو لم يحسب على التيارات الإسلامية المقاومة.

يجب أن تكره حماس، نعم؛ لأن أخلاق كفار قريش الذين حملهم الدم والأخوة والإنسانية أن يرفعوا حصارهم عن المسلمين في شعب أبي طالب، بعد ثلاث سنوات من الحصار، مفقودة في العرب، الذين حملهم البغض والكره لكل ما هو إسلامي أن يحاصروا الأشقاء الفلسطينيين ما يقارب الاثني عشر عامًا.

يجب أن تكره حماس التي بثت فيها دماء جديدة بعد أن عملت انتخابات لمكتبها السياسي، تغيرت فيها القيادة لتكون أكثر مرونة واستيعابًا للواقع المرير الذي يعيشه القطاع، في حين يتمسك أبو مازن برئاسة السلطة بعد سقوط شرعيته عرفًا وقانونًا، وإقصائه كل صوت فتحاوي حر، وتهميش دور جبهة التحرير وقيادتها الحرة، كما أرادت إسرائيل وأكثر.

يجب أن تكره حماس، نعم؛ لأن القائمين عليها حملتهم المسئولية الملقاة على عاتقهم، والتي تتمثل فيما يقارب المليون ونصف نفس بشرية تحتاج إلى الغذاء، والكساء، والدواء، أن يضعوا أيديهم في أيدي شياطين الأمس، أمثال دحلان، حتى يتسنى للمواطن الفلسطيني الحصول على لقمة العيش.

يجب أن نكره قيادات حماس الذين قدموا حياتهم رخيصة إيمانًا بعقيدتهم وقضيتهم، وعلى رأسهم الشيخ المؤسس المجاهد أحمد ياسين، والدكتور الرنتيسي، والمهندس إسماعيل أبو شنب، والدكتور إبراهيم المقادمة، والشيخان الجملان جمال منصور، وجمال سليم، ووزير الداخلية سعيد صيام، والدكتور نزار ريان، وصلاح شحادة، وعماد عقل، ويحيى عياش، والغول، والجعبري، والمبحوح، والقائمة تطول.

يجب أن نكره حماس التي عندما مارست اللعبة الديمقراطية وفازت بالانتخابات، وتشكلت الحكومة كفرت حكومة رام الله، وأمريكا، والغرب والعرب بنتائج الصندوق، وانقلبت فتح على الحكومة الشرعية في عام 2006، وحاصرتها وضيقت عليها منذ ذلك الحين وحتى الآن.

يجب أن نكره حماس التي تستغل المدنيين الفلسطينيين في القطاع ورقة ضغط على الأنظمة العربية؛ لأنها مسئولة مسئولية مباشرة عن حياتهم وسلطة الاحتلال المفترى عليها، والتي تحاصر القطاع بحرًا وبرًّا وجوًّا بريئة، ولا يجب أن ننظر إليها بعين المسئولية.

لماذا يجري الضغط اللوجيستي، واللعب بالوسائل التي يعيش عليها الخلق، مثل مواد الطاقة والمحروقات، والكهرباء، ولقمة العيش والأدوية، كما حدث في مصر، وعلى إثر ذلك جرى اللعب بمشاعر الجماهير، وتخلت عن قيادتها، وأسقط النظام المنتخب كذلك، الأمر ذاته يحدث حتى يتخلى الشعب الفلسطيني عن السلاح الوحيد الذي يمتلكه في وجه العدو الغاصب، وهو المقاومة التي ما زالت تدافع عن الأمة كلها ووصلت صواريخها «العبثية كما تسميها سلطة رام الله» إلى داخل العمق الإسرائيلي، وأنتجت طائرات مسيرة في حين أن العرب جميعًا لم يستطيعوا تصنيع ملابسهم الداخلية.

وسلطة أبي مازن تقبع تحت بيادة المحتل، لم تطلق رصاصة واحدة منذ ما يقرب 30 عامًا في وجه المحتل، وتنعم بالسلام الدافئ في حضن إسرائيل.

نعم لأجل هذه الأسباب يجب أن نكره حماس!

لا ننكر أن لحماس أخطاء كارثية حملتها الظروف العصيبة على اقترافها، ولكن أقول إن من تكون يده في النار ليس كمن يده في الماء. نحن لن نستحي أن نقول للمخطئ أنت مخطئ، ولكن من أراد أن ينظر إلى الصورة كاملة لا يتوقف عند الإطار، فهناك ما هو أكبر.

لماذا تقبل حماس كل الشروط والإملاءات من القوى المتربصة بها، ولماذا تصر على المصالحة، ولماذا قامت بحل اللجنة الإدارية، ولماذا توافق على خيارات أحلاها مر، إن قطاع غزة الذي يعيش في عزة وأنفه وكبرياء هو الجزء الوحيد في العالم العربي الذي يملك قراره؛ لأنه يصنع جزءًا كبيرًا من سلاحه بيديه العاريتين، ولا يتلقى دعمًا إلا من الله.

هناك الكثير والكثير يدعني بكل موضوعية وبكل ثقة أقول إني سوف أتخلى عن حماس عندما تتخلى هي عن ثوابتها وتجلس على طاولة المفاوضات مع الكيان الصهيوني، وتتاجر بالقضية الفلسطينية، وتتكسب كما العواهر اللواتي يقفن على بيوت البغاء، وبدلًا من أن يقتل أولادها يصبحون كبار رجال الأعمال في الداخل والخارج الفلسطيني!

أقول للفلسطينيين: نعم اكرهوا حماس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تقرير الامم المتحدة عن الوضع السئ في قطاع غزة فرانس 24
قائمة بقيادات حماس التي تم اغتيالهم
شعار حركة حماس
عرض التعليقات
تحميل المزيد