فعندما تفقد الشعوب مكتسباتها الحضارية وتعود إلى الوراء قرونًا أخرى، فحينها يقترب الشبه فيما بين المستبد وشعبه،

فالمجتمعات التي ارتوت لعدة قرون بويلات المستبد الأول وهو الحاكم.. يبدو أنها قد عقدت العزم هي الأخرى على التماهي معه.. فلم يعد يؤرقها وخزات الضمير إزاء جرائمه.

ذلك الداء العضال، الخضوع للمستبد والتمثل به، فعندما تفقد الشعوب مكتسباتها الحضارية وتعود إلى الوراء قرونًا أخرى، فحينها يقترب الشبه فيما بين المستبد وشعبه، فيصعب الحديث عن الحضارة والقيم، حينها لا حديث في غير الأمن وسلامة المجتمعات التي ترزح تحت لهيب الاستبداد الدامي، فلا حديث عن المشاريع التقدمية، ورفاهية تلك الشعوب، ويتحول الصراع إلى ما يدور بين الشعوب، وهنا البقاء للأقوى.

فالاستبداد يهزم المنطق ويسحق الضمير، ولا حيلة للشعوب المستكينة حياله، فلا صوت سوى صوت صداه، الذى يدوي في سماء النفس البشرية كالصاعقة، فتئن وتنزوي، فالمستبد يدعي الحكمة، وأحيانًا النبوة، فلا يرضى بحياة البشر، ولا حتى الملوك والسلاطين، هو نصف إله لا يخطئ ولا تأخذه سنة ولا نوم، فالمستبد لا يرى سواه.. ولا يفعل غير ما يريده هو، ويعود عليه بالنفع، فيعمل على إصدار فرمان بين الحين والحين، لا يجوز مناقشته، فالنقاش هنا غير وارد خشية أن يعرف الناس مدى هشاشته ووضاعته الذهنية.

وما يحدث الآن في السعودية من اعتقالات ومداهمات لرموز وطنية، لأقرب مثال على ما أنوه عنه هنا.. فما ينتوي الإقدام عليه آل سعود ويخشون عواقبه قد تكشفه تلك الرموز، وما تحيكه دول الحصار حول قطر لمثال آخر لما يخشاه المستبدون من سطوة آلة إعلامية هي الجزيرة.

ومناهضة المستبدين وعدم الرضوخ لهم وما يفعلونه بنا من أفاعيل، أولئك الثعلبيون.. هى السبيل الوحيد أمام الشعوب.

والحديث الدائر ليل نهار عن المستبد هنا وهناك لن يجدي، ولا طائل من ورائه، طالما ظلت الشعوب مستبدة هي الأخرى.

فالأجدر بنا نحن الشعوب أن ندرك جيدًا أن خلاصنا في أن نتخلص من براثن العفن الذي خلفه ذلك الاستبداد في نفوسنا، أن نمنح أنفسنا الفرصة في أن نتراحم فيما بيننا، ونتخلى عن الخصال السيئة تجاه بعضنا البعض، أن نُمكن أنفسنا من أن نقرر مصيرنا بأنفسنا، ولا نحجر على الأحرار منا ولا نقيدهم، كما يفعل بنا المستبد الجاثم فوق صدورنا، أن يعلو صوتنا جهورًا ضد كل من تحول لمستبد بدوره هو الآخر من حولنا، ذلك حتى ننفذ إلى النور والنجاحات الكبرى، ورفعة أوطاننا، فلا حياة مع الاستبداد.. فلم يخلف وراءه سوى البوار والخراب والدمار.. وأن نبث الوعي في عقول الناس، وأن الأمل فيهم لا في المستبد وزمرته.. وأنه لو تخلينا عن الاستماع له وأبواقه المأجورة.. لفقد أهم مقوماته وخصائصه، وهو الفراغ الكبير، فيسقط دون رجعة.. فلابد من عودة الوعى وخلق بيئة تستنكر الطغيان، فلا ينمو ويتمدد، بل يختنق ويتلاشى.

ولمعالجة ذلك الداء، يجب أن ندرك أيضًا أن تخلف التربويين عن مواكبة الحداثة هو أصل الداء، فالاستبداد الشرق أوسطي ليس قضية ضمير فحسب، بل قضية وعي وإدراك في المقام الأول، فالبنية الذهنية العربية لم تثقل علميًا بما يؤهلها لاستيعاب قضايا كبرى مثل الحريات والديقراطيات، وأن احترام القوانين أمارة تقدم الدول وعلو حضارتها.

فكيف يتكون الفكر الاستبدادي في بيئة كتلك؟! بالطبع لا وجود له، وكيف يسطو المستبد على الحقوق وهناك قانون تحترمه الشعوب ولا تتجاوزه، كيف يجرؤ على انتهاك الحريات وهناك برلمان منتخب ديمقراطيًا، وليس بمنحة من مستبد، كيف ينجح المستبد في تزييف الوعي ويربك الإدراك لدى الشعوب، وهناك إعلام حر بموجب حق الرأى والتعبير المكفولة بالدستور المقدس لدى الشعوب.

لذا لا عجب عندما نرى بشار السوري يدمر سوريا وبعض من شعبه مغيب تمامًا، بل يصفق له ولإعلامه الذي يستخف بهم بأن ذلك لتبقى سوريا، فما سوريا إذًا، دون الشعب السوري؟! ولم يبق الديكتاتوريون في بلادنا كل هذا الوقت إلا بانعدام الرؤى وضعف الإدراك المجتمعي لدى الشعوب، لخطورة وجودهم على تقدم الدول ونهضتها، فتحول المستبد لصمام أمان لبقاء الدول ذاتها! وتلك مسوغات بقائهم.

كيف يحدث ذلك في القرن الإلكتروني الذي نحياه، لولا غياب الوعي والإدراك لدى الشعوب!

إذًا هي معركة وعي، لا مناص من خوضها حتى تدرك الشعوب أن نهضتها وحريتها وسلامها وأمنها بيدها هي لا بيد المستبد.

وتدرك أيضًا أن استبدادهم فيما بينهم لا يؤهلهم لمرتبة الشرف التي حصلت عليها الشعوب الحرة في تقرير مصيرها، وتركيا مثل حاضر لا يغيب أبدًا بنجاح منقطع النظير، فقد نجحت في سنوات قليلة في استعادة ريادتها ووهجها وقوتها ورفاهية شعبها.

فالشعب التركي لديه وعي كبير يمكنه من اختيار الأفضل، ولا يسمح بانتهاك حقوقه كشعب وكسر إرادته.

الدروس كثيرة والعبر، التي توبخ الشعوب المستكينة لتنفض غبار الذل والمهانة عن كاهلها، لتحقق نهضتها وتملك حريتها، لكنَ الأهم من ذلك، كيفية فهم فلسفة التحرر ومدى أهميته القصوى ليدرج في المقام الأول لدى تلك الشعوب التي تكرس للاستبداد وتصنع بيئة حاضنة له وزمرته التى تتمدد بطول البلاد وعرضها.

خلاصة القول..

إن الأمم العظيمة لا تقبل أبدًا المساس بشرفها وأرضها وكسر إرادتها مهما وقع بها من مصائب وويلات، ودارت بها عواقب الأزمنة، حتى في زمن الحروب، إنما تقبل الأمم التي اختلط عليها الزنيم الرخيص والضال النجس، وغاب عنها ولدها الذي يحمل قبسًا من نور النبوة، العربي الأصيل – بكل ما تحمل الكلمة من معنى وشرف – أن تكون عربيًا سليل الأنبياء.

دمتم سالمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حرية, سياسة, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد