ممنوع لأصحاب القلوب الضعيفة .. هكذا كان يُكتب على مشاهد ومقاطع وصور الدم والقتل والاعتداءات، ويحاول البعض المشاهدة إلى أن تأتي لحظة لا يستطيع فيها المواصلة من بشاعة ما يرى.

لم تكن منتشرة تلك المشاهد في بلادنا سوى في بعض الصحف والمجلات المختصة بالجرائم أو في زوايا صفحات الحوادث في الصحف الكبرى وإذا أُرفقت صورة تأتي مغبشة قدر الإمكان.

تصاعد انتشار تلك المشاهد مع توسع الفضائيات مما اضطرهم لتعبئة الؤقت اللانهائي للبرامج (قد لا يكون اضطرارًا بل عمدًا للأسباب التي سأذكرها لاحقا) فأصبحت الجرائم تبث على الهواء وبأدق تفاصيلها وكأنك حاضر في مكان الحادث وأكثر، وإذا ما سنحت الفرصة لهم بالتصوير أتوا بالمجرم أو بديله لتمثيل الجريمة، وتنوعت الجرائم بين القتل والاختطاف والجرائم الأخلاقية والفساد المالي … إلخ.

ومع كل “حلقة” للبرامج تُبث أفكار جديدة للإجرام مع طريقة التنفيذ ولسان حالهم يقول لك “ما عليك إلا التنفيذ” .. ودخلنا في حلقة مفرغة من تنامي نشر الإعلام للجريمة وتزايد وقوعها وأصبح سؤال “من يؤدي لمن؟” ساذجًا ولا إجابة له سوى المزيد والمزيد.

وجاء الإنترنت بمنتدياته ثم اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي لتزيد الانتشار انتشارًا وتصل به إلى ما لا نهاية.
تتداخل مع ذلك كله الغزو الأمريكي للعراق والانتفاضة الثانية لفلسطين وما صاحبهما من مشاهد تذيب القلوب وتقشعر لها الأبدان.

وتحت اسم التضامن أُنتجت مئات الأعمال الصوتية يرافقها صور المذابح والمجازر يُكتفى بالكتابة عليها تحذير لَبِق.

وفي غمرة ذلك كله كان وتر” الاعتياد” يُضرب عليه في سرعة وقوة غير مسبوقتين، ومع طول السنوات التي مرت على ذاك الضرب أصبحت الساحة جاهزة للطغاة – كل الطغاة – أن يفعلوا ما يحلوا لهم عليها دون خوف من هياج مشاعر أو انتفاض قلوب، فلتفتح السجون على مصراعيها وليعذب الناس بوحشية لم تشهدها العصور البدائية وإذا فاحت رائحة الدم يمكن أن يُضحوا بفرد أو اثنين من الحاشية فداءً “لحقوق الإنسان”.
وليمُت الأطفال بالكيماوي ولتسلخ جلود البشر بالفسفور الأبيض ولتدك المدن بالبراميل والقنابل حديثة الصنع أو قديمة، لا يهم مادامت تؤدي نفس الغرض، وليتدرب جنود القناصة على تفريغ أدمغة البشر .. ماذا سيحدث؟! لا شيء سوى بعض عبارات الشجب والتنديد .. لا بأس، فالقليل منها – أو حتى الكثير – لا يضر..
سيظهر على الشاشات طفل دون فك سفلي، شاب تقاطر مخه، فتاة تموت نزفًا، رضيع تبول خوفا قبل الذبح وأمهات ثكالى صدى نحيبهن لا يتوقف في كل “برومو” .. سنشاهد – أيضًا – إلى أن تأتي ذات اللحظة التي لا نستطيع بعدها المواصلة، نطفئ الشاشة ثم نعد مشروبًا يساعد على الاسترخاء فقد عانينا كثيرًا في المشاهدة ..!

فيتأكد المجرمون من اعتيادنا، ويأتي دور تدمير المقدسات والمآذن ونبش أضرحة الصحابة وسب الأنبياء وزوجاتهن، ومن سرعة توالي الفجائع وشدتها يكاد يشعر المرء بأن قلبه تفتت في صحن المسجد الأموي أو كل دقة مسمار تحت الأقصى تنخر في عظام جسده لا في الحجر .. ثم؟ اللاشيء.

فيخبرونا أن “كومة” من الأوراق قد أُحيلت إلى المفتي، فنحسب أن الدنيا ستقوم ولن تقعد وأن الأرض ستزلزل تحت الأقدام .. أليس يعني هذا قتل من كُتب اسمه على هذه الأوراق؟!

فإذ بالخبر لا يفعل في النفوس إلا كما تفعل كومة أوراق لا قيمة لها ..!!

هذي بلادنا .. الجرائم هي العنوان والمتن والهامش .. الدم يصبغ الغلاف .. ولا تحذير يُكتب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد