السياسة الايرانية

بعد الثورة الإسلامية في إيران ونجاح هذه الثورة التي أوصلت الخميني إلى رأس السلطة الإيرانية، بصفته مرشدها وقائدها، برز اسم الحرس الثوري بصفته المؤسسة العسكرية المسؤولة عن حماية الثورة الوليدة، لكن هذه المؤسسة اصبحت أكثر قوة، وأصبحت ترسم سياسة إيران الخارجية؛ ولأنها مؤسسة عسكرية فهي لا تعرف لغة الحوار، وكثيرًا ما أدخلت إيران في مشكلات دولية نتيجة لتهديداتها المتكررة، ومما ساعدها في ذلك هو التأييد الواسع والدعم المطلق من المرشد الإيراني علي الخامنئي، ودعم شعبي واسع بوصفها تحارب قوى الشر المعادية للثورة، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي صنفت الحرس منظمة إرهابية في 8 أبريل (نيسان) 2019، وهي المرة الأولى التي تصنف فيها مؤسسة عسكرية نظامية في لائحة الإرهاب، والسبب في ذلك في نشاطاتها المتزايدة، وخصوصًا في المنطقة العربية.

لكن في المقابل، هناك المؤسسة التي تعارض توجهات الحرس، والتي يمكن أن نطلق عليها رجال الدبلوماسية الإيرانية التي لا تريد خسارة المكتسبات التي حققتها إيران في الآونة الأخيرة، والذين يقف في مقدمتهم الرئيس الإيراني حسن روحاني، والذي يمثل التيار الإصلاحي في إيران، والذي بدا غير راض عن نشاطات الحرس المتزايدة في الخارج، ويشاركه في هذا التوجه وزير الخارجية جواد ظريف، رجل إيران في الاتفاق النووي مع الدول الكبرى. وفي ذروة الانقسام الذي نلاحظه داخل مركز القوى الإيرانية، نرى أنه وصل إلى الحد الذي يصرح المرشد نفسة بأن روحاني وظريف لم يطبقا بنود الاتفاق النووي بالطريقة التي تلبي قناعاته. (1)

وغالبًا ما يهاجم رجال الحرس، والذين يمثلون وجهة نظر المرشد، رجال الدبلوماسية الإيرانية واعتراضهم على طريقة إدارتهم للأزمات، والتي غالبًا ما يكون الحرس الثوري هو السبب فيها؛ إذ إن تصرفات إيران العسكرية هي التي دفعت إلى فرض عقوبات عليها، وهذا انعكس على وضع الدبلوماسية الإيرانية، وبرز الخلاف بينهم في قضيتين، الأولى منهم هي الاتفاق النووي، والأخرى هي التطورات السريعة التي حدثت بعد اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني، والتي عمقت من التباين الواضح في التعاطي مع المسألة بين الحرس ورجال السياسة الذين، يرون أنهم لا يستطيعون مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد وصل الأمر بين الحرس الثوري والدبلوماسية الإيرانية إلى الحد الذي وصل إلى وصف وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف بالخائن؛ بسبب زيارة قام بها إلى فرنسا من أجل اجتماع لقادة الدول السبع. (2)

وفي ظل التوتر الحاد الذي تشهده إيران، بدأت شيئًا فشيئًا تبرز مشكلات الانقسام الواضحة داخل الجمهورية الإسلامية، والتي تعاني من مشكلات اقتصادية واضحة، ومن انهيار وتراجع واضح في عملتها أمام الدولار، ومشكلات وعقوبات واضحة في تصدير النفط إلى الخارج؛ كل هذا ساعد على ازدياد الضغوط على الحرس الثوري، بصفته الذراع العسكرية الإيرانية الخارجية، الذي يتدخل في دول عدة، وأن ما يجري من عقوبات بسبب سلوكياته الخارجية؛ إذ إن الأمر وصل إلى حد أن يصرح روحاني بأن الأزمة الاقتصادية مرتبطة بسياستهم الخارجية الخاطئة، وهو ما يعد رسالة موجهة إلى الحرس الثوري. (3)

وبرز الخلاف إلى السطح مجددًا بعد اغتيال سليماني، إذ إن الجانب المتمثل بالذي يرى أن إيران لا تستطيع الرد بقوة على أمريكا على اغتيال سليماني لأن التكلفة التي ستتحملها إيران عالية، وهو اتجاه الدبلوماسي، اما الحرس فاستمر بعد اغتيال سليماني بالتهديد إلى الحد الذي وصل بقادته إلى تهديد واتهام دول في اغتيال سليماني، وهذه الدول تربطهم علاقات رسمية مع إيران؛ بالتالي سببت هذه التصريحات إحراجًا للحكومة الإيرانية ووزارة الخارجية الإيرانية، ووصل الأمر إلى حد اتهام قائد قوات الجو فضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني بمشاركة إحدى القواعد الكويتية العسكرية في قتل قاسم سليماني، وهو ما نفتة الكويت التي أعربت عن استيائها بعد استدعاء السفير الإيراني لديها. (4)

ويبدو أن أكثر المستفيدين داخل إيران بعد اغتيال سليماني هما روحاني وظريف، اللذين يريان أن العمل الدبلوماسي والسياسي قادر على تحقيق مصالح إيران الخارجية والخروج بها من دائرة العقوبات الاقتصادية، والتي وضعت الحكومة في مأزق واضح وموجة من السخط والتذمر عليها داخل الشارع الإيراني، وبعد اغتيال سليماني بلا شك فإن دائرة تأثير الحرس سوف تتراجع كثيرًا؛ إذ شكَّل سليماني عقبة أمام تطلعات الحلول التي لا تنطوي على استعمال القوة داخل دائرة صنع القرار السياسي الإيراني. وقد حصل تراجع مهم في مكانة الحرس الثوري داخل إيران، حتى قبل اغتيال قاسم سليماني، من خلال المظاهرات التي شهدتها مدن إيران للتنديد بطريقة التعامل الإيراني في التدخل الخارجي، وضعف والوضع المعيشي الذي يعاني منه الشعب الإيراني، وصلت حدة الأمر إلى تمزيق صور المرشد في شوارع طهران، لكن الحرس الثوري كان يكيل الاتهامات لكل من يعارضه أو ينتفض ضد قبضته، ويتهمه بالتعاون مع الولايات المتحدة التي أيدت الاحتجاجات الإيرانية منذ اللحظة الأولى، وهذا أعطى ذريعة لتبرير الحرس الثوري لقمع الاحتجاجات.

حاليًا من يقدم الحلول لمواجهة التدهور الاقتصادي في إيران الصعب هو روحاني، بينما الحرس يكتفي بالتهديد ولم يعمل على وضع حلول؛ إذ أعلن روحاني أن ميزانية بلاده هي ميزانية مقاومة في وجه العقوبات التي فرضت على إيران، إذ إن الوضع سوف يزداد سوءًا؛ خصوصًا مع توقع صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الإيراني سوف ينكمش بنسبة 9.5 في هذا العام. (5)

يبقى أن نقول إن الصراع بين رجال الحرس والمرشد من جهة، ورجال الإصلاحيين الذين يرون في العمل الدبلوماسي الحل الوحيد لمواجهة الولايات المتحدة، هو صراع قديم برز منذ أيام الثورة، لكنه ظهر اليوم ظهورًا واضحًا؛ نتيجة زيادة الضغوط التي تتعرض لها إيران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد