يعتقد البعض أن إدارة الدول اقتصاديًا شيء بالغ الصعوبة والتعقيد، في حين أن هناك تشابهًا كبيرًا بين السياسات الاقتصادية التي تتبعها حكومات الدول وبين آليات وسبل إدارة ربة المنزل لشئون أسرتها. فعلى سبيل المثال نجد أن ربة المنزل تحرص على ادخار مبلغ من المال شهريًا تحت بند الطوارئ، كما تسعى دومًا لاكتناز الذهب مصدرًا للأمان المادي لأسرتها لا سيما وقت الأزمات أو في حال إقبال أحد الأبناء أو البنات على الزواج، وهو ما يتشابه مع مفهوم احتياطي النقد الأجنبي لدى مختلف دول العالم.

مفهوم احتياطي النقد الأجنبي

يقصد باحتياطي النقد الأجنبي «إجمالي الودائع والسندات بالعملات الأجنبية، والتي تحتفظ بها الدولة في حوزة البنك المركزي أو السلطات النقدية». هناك مفهوم أشمل للاحتياطي يطلق عليه (الاحتياطي الدولي) ويتكون من حجم ما تملكه الدولة من  الصرف أو العملات الأجنبية والذهب وحقوق السحب الخاصة وصافي مركز الاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي والذي يعد بمثابة ودائع في شكل سلة مكونة من أربع عملات دولية أساسية.

أهمية احتياطي النقد الأجنبي

يقول الإمام علي بن أبي طالب «لا مال لمن لا تدبير له» وهو ما يعكس أهمية احتياطي النقد الأجنبي باعتباره مقياسًا لقدرة الدولة على تسديد الديون الخارجية والدفاع عن عملتها الوطنية ورفع  تصنيفها أو جدارتها الائتمانية. ومن المتعارف عليه أن الاحتياطي النقدي الأجنبي الخاص بأي دولة لابد أن يكفي لسداد التزاماتها لمدة 6 أشهر قادمة. ويصبح الاحتياطي عند مستوى حرج إذا ما انخفضت قيمته لتغطية 3 أشهر فقط من التزامات الدولة، وتعد جمهورية الصين الشعبية هي الدولة صاحبة أكبر احتياطي على مستوى العالم. بينما تعد المملكة العربية السعودية هي الأولى عربيًا، وذلك وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي.

إن تنويع عملات الاحتياطي النقدي الأجنبي أمر مهم، فبناء سلة من العملات المستقرة واسعة التداول يدعم ثروة البلاد وقدراتها الاقتصادية، حيث تقوم الدول بتوزيع الاحتياطي النقدي بين عدة عملات. وفي حال هبوط إحدى العملات ترتفع سائر العملات التي تشتري تلك العملة في المقابل، ليظل احتياطي أية دولة في حال آمنة. يجب التمييز بين الاحتياطيات الدولية وودائع البنوك لدى البنك المركزي، وهي ما تشترطه نسبة الاحتياطي الإلزامي التي تلزم كل بنك تجاري أن يحتفظ لدى البنك المركزي بنسبة معينة، وهي أرصدة لا يملكها البنك المركزي.

لماذا تسعى الدول لزيادة حجم احتياطي النقد الأجنبي لديها؟

  • لدعم عُملتها الوطنية وإتمام المعاملات الدولية، وتسديد الديون والوفاء بالالتزامات المالية، وتمويل ميزان المدفوعات، وضمان الرقابة على أسعار الصرف، والتحكم في تقلبات أسواق الصرف في الدول التي تتبع نظام سعر الصرف المُدار.
  • تعزيز ثقة الدائنين والمستثمرين في قدرة اقتصاد الدولة على مواجهة الصدمات والأزمات وامتصاص آثارها، وتشجيع وكالات التصنيف الائتماني على إصدار تصنيفات ائتمانية جيدة للدولة.
  • تجنب الاستدانة من الخارج في حال وجود نفقات طارئة وغير متوقعة بالعملات الأجنبية بسبب اندلاع الثورات والحروب والكوارث الطبيعية.

يتضح من تلك الأسباب أن زيادة احتياطي النقد الأجنبي تعد بمثابة هدف أساسي لأي دولة لما تحققه من دعم لاقتصادها الوطني في ظل المنافسة الشرسة على المستويين الإقليمي والدولي. يقول المثل الأمريكي «إذا أردت معرفة قيمة المال فحاول الاستدانة» فيما يعكس حال الكثير من الدول النامية القائم اقتصادها على الاستدانة، بينما يقول المثل الإنجليزي «المال يتكلم»، وفي واقع الأمر إن لغة العصر بالفعل هي لغة المال ولكن ليس رأس المال التقليدي المتعارف عليه، بل رأس المال البشري والمعرفة التكنولوجية. فالثروات الطبيعية بوصفها داعمًا للاحتياطي مصيرها الفناء فيما يبقى التميز البشري والتفوق التكنولوجي هو أفضل احتياطي يدعم اقتصادات الدول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد