منذ أن تمت الإطاحة بالنظام القذافي في عام 2011، وإعلان حلف شمال الأطلسي (الناتو) نهاية عمليته العسكرية في ليبيا في أكتوبر من عام 2011، وجاء هذا التدخل نتيجة لقرار صدر من مجلس الأمن في مارس من عام 2011 تحت رقم 1973، وذلك حماية للمدنيين من بطش نظام القذافي، ولكن هذا التدخل المزعوم لم يكن إلا ذريعة لتحقيق مصالح تلك الدول الكبرى التابعة لهذا الحلف، لقد قام هذا الحلف بتكثيف بعض الضربات العشوائية التي لا فائدة منها، متعمدًا بذلك إطالة أمد هذا التدخل، بينما كانت أرتال تابعة لنظام القذافي تسرح وتمرح في مناطق أخرى، بالتالي يزيد من ذلك فاتورة تلك الصواريخ والمدافع ذات الصنع الغربي، مما يجعل الدولة مدينة بدفع ثمن تلك الصواريخ والمدافع التي دمرت البنية التحتية للدولة الليبية، أن تدخل حلف شمال الأطلسي في حقيقة أمره لم تكن غايته حماية المدنيين، بقدر ما كان تجارة مغرية لصالح تلك الدول المصنعة والمصدرة للأسلحة.

لم ينته التدخل الأجنبي في ليبيا بموت القذافي على أيادي جماعات مسلحة، ولم تكف الدول عن تدخلها في الشؤون الداخلية للدولة الليبية بعد إعلان التحرير في أكتوبر لعام 2011، بنهاية صراع استمر مدة ما يقارب ثمانية أشهر، بين جماعات مسلحة كانت تسمى بالثوار، ومسلحين تابعين لنظام القذافي، حتى بدأ صراع من نوع آخر لم يشهده التاريخ الليبي من قبل، وهو الصراع على السلطة والنفوذ، فقد دخلت ليبيا في صراع مستمر، لم يتوقف منذ تسع سنوات بين أفراد الشعب الواحد، مما خلف أضرارًا مادية ومعنوية جسيمة، ضربت بالدولة الليبية وبنسيجها الاجتماعي، فقد خلف هذا الصراع أحقادًا وكراهية داخل المجتمع الليبي يصعب معالجتها في وقتنا الحالي.

المجتمع الليبي مجتمع قبلي بطبيعته، مبني على العقلية القبلية، فكل فئة من فئات هذا المجتمع متعصبة للقبيلة التي ينتمي إليها. وبفضل القذافي أصبح الشعب الليبي مسلحًا بالكامل، وذلك تطبيقًا لمقولته السائدة «الشعب المسلح»، لقد أمر القذافي بفتح مخازن الأسلحة وتوزيعها على كافة أفراد الشعب، جاء هذا الأمر بعد صدور قرار مجلس الأمن، الذي سمح لحلف شمال الأطلسي بالتدخل في ليبيا، على إثر الثورة الليبية، مما أدى إلى انتشار السلاح بشكل عشوائي ومرعب في البلاد، أدى ذلك إلى نشوب حرب أهلية لا نهاية لها، وهذا ما أراده القذافي والدول الكبرى الطامحة والطامعة في مقدرات الدولة الليبية، فلا يخفى على أحد حقيقة أن ليبيا تتمتع بموقعها الاستراتيجي الهام المطل على البحر الأبيض المتوسط، وبمواردها الطبيعية التي من شأنها تجعلها من أغنى دول العالم، إذا ما استغلت وتم توظيفها بالشكل الصحيح والمطلوب، مما يجعلها تنافس الدول الكبرى بقوتها الاقتصادية والعسكرية، وهذا الكلام ليس عبثيًّا مرسلًا إنما مبني على دراسات دولية.

فشلت ليبيا في الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة بناء الدولة، دولة القانون والمؤسسات، جاء ذلك نتيجة لفشل الأحزاب السياسية المنبثقة من المؤتمر الوطني العام، الذي تم انتخابه في يوليو لعام 2012، من قبل الشعب الطامح إلى تحقيق دولة القانون والمؤسسات، ولكن بفضل الانقسام السياسي بين التيارات السياسية وتدخل الدول الأجنبية في دعم هذا الانقسام، وتحوله إلى صراع مستمر بين الفصائل المسلحة، أضحى هذا الطموح كابوسًا لا يفارق الليبيين، فهم اليوم لا يطمحون إلى أكثر من عودة الحياة إلى سابق عهدها، حياة يسود فيها الأمن والأمان، في بلد ساد فيه الفساد والإرهاب، فقد صنفت ليبيا خلال السنوات الأخيرة من قبل منظمات دولية، من ضمن الدول التي تحتل المراتب الأولى في ممارسة الفساد بشتى أنواعه، كما أصبحت ليبيا منذ عام 2011، بوابة عبور للهجرة غير الشرعية بسبب الفوضى وانعدام الأمن في البلاد.

بعد فشل التيارات السياسية في ممارسة الديمقراطية والتداول السلمي لانتقال السلطة، أدى ذلك إلى خلق صراع بين هذه التيارات، فأصبح لكل تيار قوة مسلحة على الأرض تفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة وشعبها، مما أدى إلى تعطيل العمل في البلاد، وخلق أزمات من نواح عدة، سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية.

دور الدول في استمرار الصراع

لم تتوقف الدول الأجنبية قط عن تدخلها في الشؤون الداخلية للدولة الليبية طيلة السنوات التسعة الماضية، فقد لعبت هذه الدول دورًا أساسيًا في الساحة الليبية، لقد قامت هذه الدول بدعم الأطراف المتناحرة وتأجيج الصراع بينهم، كما ساهمت في دعم الانقسام السياسي، وذلك بمنح اعترافات دولية لأجسام غير شرعية متوازية في البلاد، أعطت لها طابعًا شرعيًّا لممارسة العمل السياسي داخل البلاد، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الليبية وتوسعها.

من أبرز هذه التدخلات:

التدخل التركي

لقد تم مؤخرًا توقيع مذكرة تعاون عسكري، بين الرئيس التركي وحكومة الوفاق الليبية التابعة لفائز السراج، جاء هذا التعاون بعد ما شهد مؤخرًا تقدمًا ملحوظًا من قبل قوات تابعة لخليفة حفتر المسيطرة على مساحات شاسعة في البلاد، والتي تسيطر على جزء كبير من العاصمة طرابلس، مما دفع حكومة الوفاق الكائنة في العاصمة طرابلس، لأن تطالب بهدنة وقف إطلاق نار، وتستنجد بتركيا لإرسال قوات عسكرية تساند قوات تابعة لحكومة الوافق، المنافسة لقوات خليفة حفتر، بعد هذا التوقيع قامت تركيا بإرسال جماعات مسلحة سورية الجنسية، تحارب في صفوف قوات تابعة لحكومة الوفاق.

التدخل الروسي

على الرغم من أن الموقف الروسي كان غامضًا في ليبيا، فقد كانت روسيا تصرح دائمًا بأنها تقف على الحياد بين الفصائل المسلحة، الا أن هذا الموقف الغامض أضحى واضحًا اليوم، وذلك بدعمها لقوات تابعة لخليفة حفتر، فقد قامت روسيا بتوريد الأسلحة وطباعة مليارات الدينارات لصالح خليفة حفتر، كما صرحت حكومة الوفاق بوجود مرتزقة روسيين على الأراضي الليبية، تابعين لشركة الأمن الروسية «فاجنر»، جاء هذا التصريح على لسان مستشار سابق لمجلس الدولة التابع لحكومة الوفاق.

التدخل الإماراتي المصري

لم يتوقف الدعم الإماراتي المصري لصالح قوات تابعة لخليفة حفتر، بكافة أنواع الدعم لحسم هذا الصراع، وقد كشف مصدر مصري بأن الإمارات طلبت من مصر التدخل في ليبيا عسكريًا لحسم الصراع، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض، وذلك لخوف الأخيرة من الدخول في حرب عبثية قد لا نشهد لها نهاية.

على الرغم من وجود تجاوزات صارخة للقانون الدولي من قبل هذه الدول المتدخلة، إلا أن المجتمع الدولي لم يحرك ساكنًا، في ظل هذه التجاوزات، فقد ضربت هذه الدول بعرض الحائط القرار الأممي، الذي يقضي بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، ومبدأ القانون الدولي الذي يقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

إن ما يحدث في ليبيا من تدخلات دولية خاصة، وفي العالم العربي عامة، يجعلنا هذا نصل إلى حقيقة مفادها أنه لم يعد هناك وجود للمجتمع الدولي، إنما هناك مجموعة دول مهيمنة تبحث عن مصالحها بالدرجة الأولى، وتسعى دائمًا إلى بسط نفوذها على مقدرات الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا الغنية بمواردها الطبيعية ومواقعها الاستراتيجية داخل هذا المكون، وأن المجتمع الدولي مصطلح فضفاض ليس له وجود حقيقي على أرض الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد