غالبًا عندما نتحدث عن رقي الشعوب وثقافتهم، أو نسافر إلى بلد أوروبية، وننبهر برقيهم وتحضرهم، وكيف يتعاملون في الحياة، وكيف يستخدمون وسائل المواصلات، وكيف يحترمون قواعد المرور، وكيف يحافظون على نظافة شوارعهم، وكم هم شعب يحترمون خصوصية الآخرين، أشعر بالأسى تجاه بلدي مصر!

أعرف وأوقن أن مصر بلد جميل، وفيه كل خيرات الله سبحانه وتعالى، وأعرف ما مدى طيب أصل شعبه، ولكن من الواضح أن زحام الحياة وصعوباتها وشقائها غيروا من طباع المصريين الطيبة. أو ربما صعوبة الحياة لم تجعلهم يقبلون على الحياة بنفس مفتوحة وصافية وراضية. فبالتأكيد ثورتنا العربية التي مرت علينا جعلت في زلزلة في الأمن الوطني وأيضًا الأحوال الأقتصادية في مصر ليست في وضع مستقر، وهذا له عامل أساسي في سوء أحوال المصريين وضع تحته مليون خط.

كلنا، المصريون، نحلم بالتغيير، نحلم بأن نكون مثل أوروبا في رقي شعوبها واستقراره وتحضره ونظافة بلاده، نحلم بأن تكون ثقافتنا مثلهم. نحلم بأن يكون كل الشعب من كل الطبقات الاجتماعية مثقف وواع، وأن تكون نسبة الفساد محدودة ونسبة الأمية محدودة ونسبة الفقر محدودة. كثير من الشباب لديه حلم الهجرة، وهذا الحلم لم يأت من فراغ، هذا الحلم ولد نتيجة للفساد الغالب على العدل في مصر. نعم للأسف الفساد لدينا في مصر غالب على العدل والمساواة وإتاحة الفرص للشباب في العمل. وهذا ليس في زمن رئيس بعينه، ولكنه مترتب على أزمنة مسبقة. ومن أسباب الفساد الطويل المدى في تاريخ مصر هي البيروقراطية لدى المؤسسات الإدارية الحكومية: وهي مجموعة المؤسسات الإدارية العمومية التي يتولى فيها الموظفون البيروقراطيون تطبيق سلطة القانون حسب السلم الإداري، والتي تتسم بالبطء في التنفيذ؛ مما يؤدي إلى عرقلة السير الطبيعي لشؤون المواطنين ومن العقبات التي تعترض تطبيق المشاريع. لذلك من الطبيعي أن يكون لديه الحلم للهجرة والعيش في بيئة نظيفة وتحترم النظام، بل أيضًا هو معذور في حلمه؛ لأنه لم ير في بلده التشجيع للبقاء.

كلنا لدينا عقدة الخواجة، كلنا نرى بأن أوروبا في تقدمها وقوتها في الصناعة والتجارة والتعليم هي المثل الأعلى. حتى في بلدنا مصر ندعم كل ما هو مستورد من منتجات أوروبية، فبالتالي صناعتنا تدمر، وبذلك بنشجع على الاستيراد بدلًا عن التصنيع والتصدير. فنحن نضر بلدنا عن عمد. وذلك بسبب ثقافتنا بأن كل ما هو أوروبي هو الأفضل، لذلك عقولنا تمت برمجتها على عقدة الخواجة. كيف نتخلص من عقدة الخواجة؟! نتخلص من عقدة الخواجة، بالتعلم من صناعتهم ومحاولة تطبيقها في تنفيذ منتجاتنا. ثانيًا الحرص على الجودة في التنفيذ منتجاتنا المحلية ومنتجاتنا المصدرة للخارج. تشجيع الإعلام في الترويج للصناعات المصرية. فالإعلام هو القوى الناعمة والمؤثرة على الرأي العام في مصر. أما بلنسبة للتعليم أيضا يجب تدريب المدرسين ورفع رواتبهم، وتحسين أوضاعهم المادية حتى يكون الاعتماد الأساسي على التدريس في المدرسة فقط. فمنظومة الدروس الخصوصية، منظومة فاشلة بكل المقاييس؛ لأنها جعلت المعلم لا يشرح الدرس في المدرسة بضمير معتمدًا على أن الطلاب يأخذوا عنده دروس خصوصية، وأيضًا الطالب لا يعطي أهمية للمدرسة؛ لأنه معتمد على الدروس الخصوصية، لذلك المدرسة تحولت لمكان يجب إمضاء حضور وانصراف، بل أيضًا موتت ضمير المدرس في تبليغ رسالته لأن هناك طلابًا لا يستطيعون دفع مصاريف دروس خصوصية، فبالتالي لا يحصلون على نفس الحصيلة الدراسية التي يأخذها الطالب المعتمد على الدروس الخصوصية. فإذا ألغيت الدروس الخصوصية، ولا يكون مصرحًا لها. أهمية المدرسة سترجع مرة أخرى، وأفضل بكثير والمدرس سيشرح المنهج بضمير والأولاد وأولياء أمورهم سيلتزمون بحضور المدرسة بانتظام. وإذا طبقت وزارة التربية والتعليم إلغاء الدروس الخصوصية ومنع تصريحها بذلك سنكون استرجعنا قيمة الحضور والالتزام بالتعليم في المدارس.

وفعلًا في البلاد المتحضرة مثل أوروبا لا يوجد ثقافة الدروس الخصوصية والمدارس كلها، سواء التعليم بالمجان، أو الخاصة تلتزم بالتعليم في المدارس. فإذا كنا نريد أن نكون مثلهم فيجب أن نتعلم منهم. ونأخذ الإيجابيات فقط، وليس الإيجابيات والسلبيات. فهم أيضًا لديهم فساد، ولكنه ليس واضحًا ومختفيًا؛ لأن التحضر والمساواة والتعليم وكل إيجابياتهم طاغية على الفساد الموجود، وليس العكس. فإذا نريد لبلدنا أن تتقدم لن تتقدم إلا بِنَا، ليس برئيسها فقط، ولكن بعمل شعبها وتشجيعه لصناعة بلده وعدم سكوته على الفساد فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد