عندما ضاقت مكة بالدعوة الجديدة، وبدأت الحرب على كل من يحمل أفكار محمد صلى الله عليه وسلم، أصبح البقاء في مكة عبئًا على كل من يحمل أفكار هذه الدعوة المباركة، البيئة أصبحت غير ملائمة، والتضييق يزيد، وأصبح التغيير للمكان حتميًا من أجل إنجاح الدعوة، فكانت الهجرة إلى المدينة حيث بيئة جديدة ومختلفة وظروف نجاح أكثر للدعوة، ولكن هل كان المهاجرون من مكة إلى المدينة يحملون في عقولهم فكرة متى العودة إلى مكة؟ نعم كان الشوق في القلب دومًا لمكة حيث بيت الله الحرام وحيث الأهل والعشيرة والدار لكل مهاجر، ولكن دائمًا كان نظر الصحابة وشغلهم الشاغل عند الخروج من مكة ليس متى سنعود إلى مكة ولكن كان الشغل متى تنجح هذه الدعوة المباركة وكيف؟

وحتى عندما تم فتح مكة لم يذكر التاريخ أن موضوع البقاء في مكة بعد الفتح كان يشغل بال أحد ممن هاجروا منها، حتى النبي صلى الله عليه وسلم قرر أن يبقى في المدينة بعد الفتح حتى توفاه الله ودفن في المدينة.

إن هذا يدعونا جميعًا وخاصة من ترك بلده مجبرًا وهاجر إلى بلاد الله، يدعونا أن نتدبر موقف النبي والصحابة وتفكيرهم فيما بعد الهجرة، كثير ممن خرجوا من ديارهم لا يشغل بالهم إلا سؤال واحد متى سنعود إلى بلادنا!

لقد نسي الكثير أنهم أصحاب قضية غالية، قضية خروج وهجرة من أجل إقامة العدل والحرية، من أجل رفض الظلم بكل أنواعه، من أجل أن تعيش الإنسانية بكل ما يتطلبه الإنسان من مقومات الحياة الحرة الكريمة الشريفة، نسي الكثير ذلك وأصبح الإحساس المسيطر هو أن هذه لحظات استثنائية وستنتهي وسنعود.

ويصبح كل شيء في الحياة عند البعض معلقًا حتى نعود، فكل قرار وكل خطوة وكل تغيير يؤجل تحت شعار عندما نعود.

فماذا لو غيرنا من تفكيرنا وتأسينا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبصحابته الكرام عندما هاجروا؟! لقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أن ينجحوا في المجتمع الجديد، لم يشغل بالهم متى العودة إلى مكة، ولم يؤجلوا مهام حياتهم تحت شعار عندما نعود إلى مكة، لقد اجتهدوا وبنوا وشغلتهم قضيتهم ونجحوا.

فماذا لو فكرنا نحن أيضا بنفس الطريقة، لماذا لا نفكر أن تكون حياتنا ليست مرتبطة بمتى العودة، ولكن نتأقلم ونعمل ونجتهد ونتعلم وننجح في حياتنا ولا نؤجل شيئا لشعار متى نعود ولكن تكون قضيتنا وسؤالنا متى تتحقق أهدافنا.

إن الأهداف السامية الصحيحة تحتاج لكي تتحقق وتنجح إلى همة عالية وبحث دائم عن النجاح وسعي ومشقة ومجهود.

إن المغترب عن بلاده أمامه طريقان، الطريق الأول أن يستسلم لعذاب الغربة وفراق الأهل والأحبة والدار ويظل يتأسى على ما حدث ومتى ينتهي هذا الحدث ومتى نعود، وتتوقف حياته عند لحظة الانتظار التي قد تطول، بل وقد تنتهي حياته وهو لا يزال متعلقًا بلحظة انتظار العودة فلا يتعلم شيئًا ولا يجتهد في شيء ولا يسعى لتحقيق شيء ويصبح عبئًا على نفسه وعلى من حوله ويصبح إحساس المغترب المكلوم المظلوم هو كل ما يتملك جوارحه ومشاعره فتكثر عليه المآسي وقد تظهر عليه الأمراض والآلام وهذا ليس هو الطريق الصحيح.

أما الطريق الثاني أن تثبت لمن ظلمك أنك لن تستسلم وستستمر حاملًا للقضية مدافعًا عن حقوق الإنسانية ولكي يتحقق ذلك لا بد من التأقلم مع الواقع الجديد والمجتمع الجديد فتتعلم لغة جديدة وثقافة جديدة وتبحث في هذا الواقع الجديد عن سبل العمل والرزق والنجاح، طبعًا ستكون هناك عوائق كثيرة، وستكون هناك عثرات كثيرة، ولكن من من الناجحين لم يبدأ حياته نحو النجاح إلا بإخفاقات وعثرات ومع الصبر والمثابرة والتعلم من الأخطاء والإرادة القوية وحسن الصلة بالخالق، ولا بد أن تصل إلى طريق النجاح، فسنة الحياة غالبة، من أدام طرق الباب يوشك أن يفتح له، وعندها لا حاجة لأن تقول عندما أعود، مثلما لم يقل الصحابة عندما نعود إلى مكة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد