بدأت في متابعة كرة القدم ببداية التسعينيات، بنهاية عهد الأمهر على الإطلاق مارادونا، ومع بزوغ نجم الشباك وحاصد الأهداف جابرييل عمر باتيستوتا، وبسببهما أحببت الأرجنتين وعشقت اللونين الأبيض والسماوي، وأصبحت أرجنتيني الهوى حتى بعد مرور عشرين عامًا أو يزيد.

كان ذلك قبل أن أقرأ لبورخيس أو أتابع رقصات التانجو أو أسمع موسيقى أوستور بياتزولا أو أشاهد فيلم (حكايات وحشية) أو أعرف عن جيفارا، ولكن بعد أن قرأت وشاهدت وسمعت وعرفت زاد حبي للدولة اللاتينية.

في العام المنصرم، أدركت للمرة الأولى مدى التقارب بيننا وبين الأرجنتينيين، أقصد بيننا نحن المصريين وهم اللاتينيين، كان ذلك من مشاهدتي لتحركات جماهيرهم العريضة الزاحفة إلى الجارة اللدودة البرازيل بكأس العالم السابق، حيث احتلوا الشوارع، ومشوا في تجمعات أشبه بالمظاهرات بقلب العاصمة البرازيلية يهتفون بهتافات تحقر من بيليه وتسخر من البرازيليين، ركبوا المترو وهم نصف عرايا بسبب الحر، احتلوا المولات وملؤوها بأغانيهم، وسهروا على الشواطئ وبالشوارع حتى مطلع الفجر.

بدا لى أن شيئًا ما مشترك يجمع بين شعبينا.

كما أن أغلب جيرانهم اللاتينيين يكرهونهم إلى حد العداء ويتهمونهم بالتعجرف والتعالي، وهو ما ينطبق على الوضع مصر بين جيرانها أيضًا. ولكن يبدو أن ثمة تشابهات أخرى لن تدركها إلا بمشاهدة فيلم (حكايات وحشية).

علمت قبل أسبوعين بترشح الفيلم الأرجنتيني لجائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي، وهو الفيلم الأرجنتيني السابع في الترشح للجائزة الأمريكية على مر التاريخ، فاز منهم اثنان بالجائزة، كان الأول فيلم (التاريخ الرسمي) عام 1986، والثاني (سر عيونهم) عام 2009.

تابعت ردود الفعل المحتفية بالفيلم الأرجنتيني الجديد، وشرعت في البحث عن نسخة مترجمة للإنجليزية كي أشاهدها. فاتني أن أذكر لكم أن ثمة سحر آخر في موسيقى اللغة الإسبانية يزيد شغفي بأفلامهم وأغانيهم.

لم يكن مؤلف الفيلم ومخرجه دميان سازيفرون مبالغًا عندما أطلق على فيلمه ذلك الاسم، فالفيلم فعلًا منقسم إلى ست حكايات منفصلة لا تخلو أي منها من الوحشية، ستة فصول منفصلة تمامًا، بأبطال مختلفين وأماكن متباينة، لا يجمع بين القصص الستة إلا أنها كلها أرجنتينية، كلها بها قدر من الوحشية، وكلها تدور عن أشخاص قرروا أن يبتعدوا عن التعقل، ويخرجوا عن أطر التفكير التقليدية، وأن ينتقموا ممن يؤذونهم، ينتقموا بأيديهم دون انتظار لعدالة حكومية أو إلهية.
حيث أدركوا أن قانون الغابة هو السائد وعليهم أن يكونوا أقوياء في ظله، فلا يهتم أبطال الحكايات بأن يموتوا،  أو يسجنوا، أو يفضحوا، أو يقتلوا، الأهم ألا يناموا ضعفاء مظلومين مقهورين.

 

هنا تذكرت صيحة الفنان الراحل غسان مطر “اعمل الصح” وتخيلت أن صيحة إسبانية مماثلة قد رنت في أذن كل واحد منهم.

ستدرك مدى التشابه بين مجتمعينا بمرور القصص, وذلك عندما تشاهد ما كنت تظنه لا يحدث إلا في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط, الخوف من البلطجية، خلو الطرق من الشرطة، وعدم إتيانهم عند الاستنجاد بهم، دفع رشوة لوكيل النيابة، دفع أخرى لأحد العمال ليُسجن بدل من ابن رجل الأعمال الغني، التكدس المروري، رجل السياسة الفاسد المترشح لمنصب العمدة رغم فضائحه عبر سنين.

 

تكاد تشعر أن الفيلم يجري في القاهرة وليست بيونس أيريس، وتشعر بألفة مع تلك الأجواء الفاسدة المعتادة.

 

كانت أكثر القصص جذبًا لي هي القصة الرابعة، والتي قام ببطولتها النجم الأرجنتيني الشهير ريكاردو دارين، والذي كان بطلًا للأفلام الأرجنتينية الثلاثة الأخيرة المرشحة للأوسكار.
شعرت بتشابه ما بيني وبين بطل القصة، رغم أنه مهندس وأنا – رسميًّا على أقل تقدير- طبيب، هو متزوج ويعول، وأنا أعزب، هو أربعيني وأنا على مشارف الثلاثين، هو أرجنتيني وأنا مصري، إلا أن شيئًا عابرًا لكل تلك التفاصيل بات مشتركًا بيننا.

فالبطل هنا أصبح عصبيًّا متوترًا صعب المراس بسبب ضغوط الحياة الفاسدة من حوله، تتهمه زوجته بأنه يريد أن يصلح المجتمع كله وهو ما لن يحدث، تقول له وهي بصدد طلب الطلاق إن المجتمع لن يتغير ونحن أيضًا لن نتغير.

 

كانت بداية مأساة ذلك المهندس عندما تم اجترار سيارته بالونش عند دخوله محل الحلوى لشراء تورتة عيد ميلاد ابنته.

خرج فلم يجد سيارته ووجد بدلًا منها ورقة بأن السيارة قد أُخذت بسبب وقوفها بمكان ممنوع فيه الانتظار، نظر (سيمون) حوله ولم يجد أي علامة تدل على أن ذلك مكان ممنوع. استقل تاكسي إلى إدارة المرور حيث أقتديت سيارته، كان الطريق مزدحمًا عن آخره، تمامًا مثل شارع فيصل في الثامنة صباحًا!

طالبه الموظف بأن يدفع أولًا ثم يشتكي إذا أراد، عامله ببرود وسخافة مثل مدام ناهد أو الأستاذ سيد في شئون عاملين أي مؤسسة حكومية. لم يصل سيمون إلى البيت إلا مع انتهاء عيد الميلاد.

بعد عدة أيام ذهب سيمون ليشتكي بخصوص الغرامة غير المستحقة، قال للموظف إنه لا توجد علامة بالمكان الذي أُخدت منه سيارته، وعليهم أن يعاينوه ليتأكدوا بأنفسهم. يبتسم الموظف مجيبًا بأن الورقة المصحوبة أقرت أن ذلك المكان ممنوع الانتظار فيه وهذا كافٍ.

يسأله سيمون كيف له أن يعرف أنه ممنوع إذا كانت لا توجد إشارة أو علامة تدل على ذلك، فيجيبه بأن الأماكن الممنوعة مذكورة على موقع المرور على الإنترنت وعليه أن يراجعها.

يستشيط سيمون غضبًان يحمل (طفاية الحريق) من جواره، يكسر الزجاج ويهشم المكان بين صيحات استهجان من جانب وتصفيق المؤيدين من جانب آخر. يتكرر نفس الموقف مع سيمون مرتين أخريينن فينتهي الأمر بانتقامه الكبير الذي يذهب على أثره إلى السجن، ولكنه يصبح بطلًا شعبيًّا في الوقت ذاته.

يتعامل مؤلف الفيلم ومخرجه مع العالم على أنه غابة، وأن قانون القوة هو السائد، والضعيف الخانع سيؤكل بلا أدنى شك، أو كما قال أحمد فؤاد نجم (غابة كلابها ديابة، نازلين في الناس هـم، واللي ينام في الغابة، راح يتاكل هم، واللي يدور وشه، في غمضة عين يتهم, واللي يغيب عن جحره، لاجل القوت والمم، يتخان من ورا ظهره، أو يتاخد خم، غابة بتاكل ميتة، غابة بتشرب دم، غابة كلابها ديابة، نازلين في الناس هم).

في “تيترات” المقدمة، يصحب اسم كل بطل من أبطال الحكايات الستة صورة لأحد الحيوانات المفترسة (صقر، قرش، نمر، غوريلا) ثم يصحب أسماء الفنيين وغيرهم صور لقطعان ومجموعات من الأسود والأفيال والذئاب، وصولًا إلى المخرج حيث تصحب اسمه صورة ثعلب.

قدم لنا المخرج الثعلب الشاب في ثالث تجاربه بالسينما الطويلة فيلمًا ممتعًا للغاية ومخيفًا جدًا، رغم أنه ينتمي لفئة أفلام الكوميديا السوداء، إلا أنه يصيبك بالرعب على المستوى الإنساني، حيث استطاع صناعه دون تكلف أو مبالغة أن يجسدوا ببراعة الحياة في غابة لاتينية لا تختلف كثيرًا عن غابتنا العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد