التاريخ «الصادق» غالبًا مات لحظة ميلاده وتدوينه، ولم يبق للبشرية إلا التاريخ «الكاذب» أو التاريخ المتلاعب به، أو «التاريخ المحجوب» عمدًا أو جهلًا؛ فقد حدث أن تحرك التاريخ الذي وصل إلينا «مدونًا» سواء كان مطابقًا للواقع أم محرفًا عنه بشكل أو بآخر، أو لغرض أو لآخر، عبر مسارين ومشيئة قابضة على «ناصية التاريخ»، وموجهة لتدوينه ومنتقية لما يدون، وكيف يدون؟! وكانت هذه المشيئة متغيرة السيطرة، تتحكم في التاريخ الكلي للبشرية، ويمتد تأثيرها إلى التاريخ المحلي، وتتبدل أماكن تمركزها، حسب سيطرة القوة المهيمنة على العالم أو المتحكمة في اقتصاده وثرواته.

تحرك التاريخ إلينا وفق القوة المهيمنة والمسيطرة، التي كان لها قدرة تحريك الجيوش، عبر أراضي العالم القديم، وكان المساران الأساسيان لحركة تدوين التاريخ البشري: الأول هو السعي نحو السلطة والحكم والثروة والجاه والشرف المرتبط بالحكم، والحروب التي كانت في سبيل الوصول إلى السلطة، أو في سبيل الدفاع عن وطن السلطة، أو من أجل سلب أوطان الآخرين أو الثروات التي بها، أو من أجل سلب الآخرين سلطاتهم.

وكان المسار الثاني الذي تحرك فيه «تدوين التاريخ» هو مسار الحروب من أجل الإله، أو مسار الحرب الدينية والصراع الديني والمذهبي والطائفي، وتكوين «الولاية الدينية» التي تحكم باسم الرب، وكانت تسير الحاكم. كان كلا المسارين «لحركة تدوين التاريخ» مؤثرًا على تدفق الرواية التاريخية، وكذلك كان مؤثرًا على مدى مصداقيتها ومطابقتها للوقائع التي حدثت، ولكن الذي أحدث التلاعب المبكر في التدوين التاريخي، كان مشيئة القوة المهيمنة على العالم ورغبتها، أو المهيمنة على ما تحوذ من أراضي الثروة والبشر في العالم القديم والتي عرفت بالإمبراطوريات الأولى، والتي بدأت من خلال «بيت حاكم»، أو قبيلة حاكمة، أو مجموعة عسكرية أو دينية سرعان ما تتجسد في «بيت حاكم».

وكان العهد أن «البيت الحاكم» يبدأ قليل الخبرة بالحكم، وبعملية التلاعب في التاريخ، ولكن سرعان ما يصبح «البيت الحاكم» خبيرًا في السيطرة على أمور الحكم، ومنها كيف يطلع «شعبه»، وكذلك أعدائه، على «صورته المرغوبة»، وكانت أهم وسائل السيطرة التي يلجأ إليها «البيت الحاكم» في حكم أراضي الإمبراطورية أو الإقليم الذي يخضع له، هي السيطرة على «الولاية الدينية»، إلى جانب «الولاية العسكرية». في هذا الوقت المبكر من عمر البشرية، كانت «الولاية الدينية» من النفاذ بحيث كانت تفوق في تأثيرها وسيطرتها «الولاية العسكرية»، وفي عصور الفوضى فقط، كانت «الولاية الدينية» تقع في قبضة «رجال الحرب»، وفي هذه الأثناء كانت «الولاية الدينية» تصبح مضطربة، سواء أكانت في معية الحاكم أم منفصلة عنه أم مناوئة له. وكان «البيت الحاكم» لا يسترد كامل سلطته في الحكم إلا بالسيطرة على كلا الولايتين: الدينية والعسكرية. وكان من اكتمال خبرة «البيت الحاكم» ومستشاريه، هو إتقان سيطرته على «الولاية الدينية»، وأن يصبح البيت الحاكم مسيرها، ومانعًا أي تلاق بين الولايتين «العسكرية والدينية» إلا في شخص الرجل الأقوى في البيت الحاكم؛ فقد كانت الجيوش في هذه الأزمنة الأولى «جيوش دينية سياسية». ولفترات طويلة في التاريخ البشري، كانت «الولاية الدينية» مضطربة نتيجة لانقلابات حدثت في الديانة المسيطرة، سواء أكانت «الولاية الدينية» في معية الحاكم أم منفصلة عنه أم مناوئة له. وهكذا تعقد المسار الثاني الذي جاءت منه الرواية التاريخية، بل أصبح مدخلًا للتلاعب في التأريخ وفي الرواية التاريخية المتدفقة من الماضي إلى الحاضر.

وفي الأزمنة الأولى للمجتمعات البشرية، كان «التاريخ المصري» هو نفسه تاريخ البشرية، بما كانت مصر تمثله من قوة وتأثير في حد ذاتها؛ وبنفسها أو بحركة حاكمها أو ديانتها وجيوشها الحربية؛ وقد استمر هذا «الوضع الخاص لمصر»، عندما أصبحت مصر بقوتها وثروتها، هي مدد للإمبراطوريات التي استعمرتها واستخدمت إمكاناتها، للمحافظة على المجال الحيوي لهذه القوة «المسيطرة» على المجتمعات البشرية.

وهكذا اقترن التاريخ المصري بالتاريخ العالمي، وأصبح خاضعًا للتأثيرات الخارجية في الفترات التي استولت فيها قوة خارجية على الأراضي المصرية. وهكذا أصبح التاريخ المصري ليس استثناء من الحركة العامة للتاريخ والتي حكمت التأريخ. وحتى حدوث استيلاء المسلمين على الأراضي المصرية كلها في عام 642م؛ فقد ظلت الحاضرة البشرية أو «مركز القوة في العالم» تعتمد على قمح مصر وغلالها، وظلت مصر كذلك معبرًا لتجارة العالم وحاضرة للعلوم الإنسانية والدينية، ومن هنا أضفت مصر خصوصيتها على حركة التاريخ البشري؛ وتحكمت فيه وأفرزت «مدرستها الفكرية»، ذات الأصول المصرية الحضارية القديمة، وذات «الأصولية المصرية» المميزة الطابع. وكانت هذه المدرسة المصرية، هي رائدة الدنيا، حتى بعد انكسار الديانة المصرية التوحيدية القديمة، المنبتة على الأرض المصرية، وغلبت ديانة أخرى وافدة هي «المسيحية المختلطة» المجلوبة إلى الأراضي المصرية، والتي أصبحت، لأهداف سياسية، ناسخة للديانة المصرية التوحيدية «الأوزورية»، في عام 391م في عهد الإمبراطور الروماني «ثيودوسيوس» والذي شجع أسقف كنيسة الإسكندرية «إلكسندروس» على القيام بحرب أهلية؛ ضد الديانة المصرية التوحيدية واسعة الانتشار وضد معتنقيها من المصريين.

كان أسقف الإسكندرية يسعى لحرب أهلية ويرتب لها؛ من أجل سيادة «المسيحية المختلطة» التي كانت محدودة الانتشار في مصر وهامشية، ويهدف من وراء ذلك إلى القضاء على الديانة المصرية التوحيدية؛ ليس في الإسكندرية ومصر فقط، بل في سائر أنحاء الإمبراطورية الرومانية. ومنذ ذلك العام الذي تهدمت فيه المعابد «الأوزورية» التوحيدية وتحول أغلبها إلى كنائس، ودمر كل ما يشير إلى «الديانة التوحيدية المصرية» في عام 391م فقد تحولت «الديانة المصرية التوحيدية العالمية» إلى ديانة سرية ومحاربة ومحجمة في مصر أرض هذه الديانة، إلا أن هذه الديانة المحاربة على أرضها، قد ظلت على حالها من العالمية والانتشار في الأراضي غير الخاضعة للإمبراطورية الرومانية، ولكن بمسميات غير اسمها ـ ومؤثرة جدًا في الوقت نفسه في الديانة نفسها، التي أزاحتها بالعنف عن مكانتها في نفوس عموم المصريين. فقد أخذت الديانة «المسيحية المختلطة» كل العقائد «المصرية التوحيدية» ونسبتها لنفسها، في سابقة تاريخية فريدة. ويمكن الجزم أنه قد نشأ منذ عام 391م ما يمكن اعتباره «أول مؤسسة لتزييف التاريخ»، وهكذا بدأ تزييف التاريخ المصري القديم في أكبر العمليات التي بدأت واستمرت حتى الآن؛ فقد كان التاريخ المصري القديم تدوينًا لوقائع الفترة الزمنية المصرية القديمة، كما كان تاريخًا وتدوينًا لنصوص العقيدة المصرية الدينية، ولحياة المصريين في ظل إيمانهم بها. ولمحو الديانة المصرية القديمة وتاريخ المصريين في ظلها؛ فقد بدأ التزييف المؤثر في سجل التاريخ. وتم صنع تاريخ جديد «مكذوب» كان الهدف الأساسي منه محو الديانة المصرية القديمة وتاريخ المصريين حتى عام 391م، وقد تبع هذا جريمة إنسانية أخرى، وهي استمرار التلاعب في التاريخ المصري إلى الآن، وإشاعة الوقائع الكاذبة والمحرفة على حساب التاريخ الحقيقي والصحيح.

ومنذ عام 391م كان التجهيل بالتاريخ المصري والجهل به هدفًا من أجل اعتماد الديانة «المسيحية المختلطة»، التي أصبحت «عقيدة سياسية واستعمارية ودينية «للإمبراطورية البيزنطية وكياناتها الصليبية. وبعد ذلك للدول التي شنت الحروب الصليبية ضد الشرق المسل،؛ منذ ساد الإسلام في الدول التي كانت خاضعة من قبل للإمبراطورية الرومانية، ومن بعدها الإمبراطورية البيزنطية. وقد استمر هذا الصراع على التاريخ وحول التاريخ، حتى جاءت الحقبة الاستعمارية الجديدة في طورها الحديث، والذي بدأ مع الغزو الفرنسي لمصر في عام 1798م، ومنذ ذلك الوقت، فقد كان ظهور التاريخ المصري المرتبط بالديانة «الأوزورية» أو بالديانة الإسلامية؛ مأزقًا كبيرًا لأصحاب التوجهات الاستعمارية الجديدة، والموالين لها من أهل الشرق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد