حلت في الأيام الماضية الذكرى التاسعة على اندلاع الثورة المصرية وتنحي مبارك؛ الثورة التي استطاعت أن تجذب انظار العالم إليها وتثير إعجابهم ليس فقط بسبب شرعية مطالبها، وإنما أيضًا بسبب اختلافها، فقد كون المتظاهرون داخل الميدان مجتمعًا مختلفًا، استطاع أن يخرج أفضل ما في الإنسانية، وذلك في مواجهة قبح النظام الحاكم آنذاك ووحشيته.

ففي الأساس وقع الاختيار على الخامس والعشرين من يناير ليكون اليوم الأول للثورة تزامنًا مع يوم احتفال الدولة المصرية بعيد الشرطة؛ وذلك اعتراضًا على قمع رجال الداخلية وتذكيرًا لهم بدور الشرطة الرئيس؛ وهو حماية الدولة والمواطنين وليس الاعتداء عليهم، ولتذكيرهم ببطولات رجال الشرطة السابقين من أجل الحفاظ على الوطن في مثل هذا اليوم العظيم. ولكن لم يكن من الشرطة إلا أن تعاملت بطبيعتها وحاولت قمع المتظاهرين بشتى الطرق وهو ما قوبل بصمود وشجاعة من المتظاهرين.

واستطاعت الثورة – التي اتخذت «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» شعارًا لها وتعبيرًا عن مطالبها الأساسية، والتي تعد مجرد مطالب بسيطة فهي في الواقع حقوق طبيعية يتمتع بها أي إنسان في أي مكان – أن تسقط رأس النظام السياسي في 18 يوما فقط، لكنها أسقطت الحكم، ولكن لم تسقط النظام.

ولكن بعد مرور تسع سنوات على اندلاع الثورة هل حققت الثورة أهدافها؟ في الواقع هذا السؤال أو اجابته على وجه التحديد هي ما تسببت للكثيرين بالإحباط وكبتت لديهم الرغبة حتى في استرجاع هذه الذكرى، بل ولدت لديهم رغبة في النسيان، لذا فإنهم يحاولون التناسي بتجاهل إحياء ذكراها.

وهذا الإحساس بالقهر والحسرة كلما اقتربت الذكرى راجع إلى اعتبار أن الثورة فشلت في تحقيق أهدافها، وأن الحراك الثوري قد انتهى عند هذا الحد. وأصبحت أقصى الطموحات حاليًا تتمحور حول الرغبة في العودة إلى ما كنا عليه قبل الثورة، نظرًا لأننا لم نجن شيئًا، بل تدهورت الأحوال وأصبحت أكثر سوءا. ولكنهم غفلوا عن أن الثورات ليست فعلًا فقط، فهي ليست مجرد حدث لحظي حتى نقول إننا قد انتهينا منها، وأننا تخطينا المدة المحددة لها ولا أمل لنا في أن يتحسن الحال. الثورات بالأساس فكرة ثم فعل والفكرة لا تموت تظل حية في الوجدان وتجدد في العقول والنفوس وتتوارثها الأجيال.

وإذا كان نجيب محفوظ قال في رواية أولاد حارتنا جملته الخالدة «آفة حارتنا النسيان» فإنني أعتقد أن آفة شعبنا العجلة. فخلال أيام الثورة القلائل كان هناك الكثير من التساؤلات: متى سيرحل مبارك؟ هل سيطول انتظارنا؟ وحاليًا الجميع على عجلة من جني ثمار الثورة، وبالرغم من تفهمي لهذه الرغبة الملحة في تحقق أهداف الثورة فأنا أتمنى أن نشهد بأنفسنا حصاد ما زرعناه فنرى أهداف الثورة أصبحت حقيقة لا تخطئها العين، وأن نورث الأجيال القادمة دولة حرة ونظامًا مستقرًا لا أن نورثهم بقايا وطن، ولا أن نورثهم الخضوع والخنوع.

ولكن في الواقع لا عمر للثورات، فالثورات كما قد تحقق أهدافها سريعًا إلا انها قد تستمر لسنوات طوال. وأبرز مثال على ذلك الثورة الفرنسية التي استمرت قرابة 80 عامًا إلى أن حققت أهدافها واستقر النظام في فرنسا، كما أنها مرت بالعديد من المراحل والانتكاسات ولكن ظلت الفكرة حاضرة إلى أن انتصرت في النهاية. فدائمًا ما تنتصر الأفكار والكلمات على السلاح، فالكلمات تخلد والأفكار لا تموت. لذا فكل ما يهم ليس عدد ما مضى من سنوات ولكن أن تظل فكرة الثورة نفسها متأججة.

وأخيرًا أتمنى عندما تحل الذكرى العاشرة أن نحيي ذكراها مع زملائنا المعتقلين وهم إلى جانبنا خارج المعتقلات، ونحتفل سويًا بنجاح ثورتنا وتحقق أهدافها التي دفع لأجلها الكثيرون حياتهم لا أن نلحق بهم في القبور أو السجون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد