الشريحة المنسية

ربما يتبادر إلى ذهنك عند سماع عنوان المقالة من الوهلة الأولى أن المقصود هم أصدقاء الطفولة الذين بعدوا عن أعيننا، وفرقهم الزمان والمكان، فنسيهم القلب، وغاب ذكرهم على اللسان، واضمحلت ذكرياتهم الطفولية البريئة. أو الطبقة الدنيا من المصريين المهمشين المعدمين، الأغلبية الساحقة، والقوى الكامنة، أحزاب الكنب، والباحثون عن لقمة العيش المرّة في مصر أم البلاد. وما أكثرهم! أو ربما أناسٌ رحلوا من عالمنا الظالم، وقانوننا المجحف إلى العالم الأخروي بعدما بلغهم أجلهم وقُضي نحبَهم، تاركين خلفهم عيونًا تغمرها الدموع، وقلوبًا تفيض شوقًا، ونفوسًا تتوق للقاء.

بالطبع لا ألومك على هذا.. فلم تقترف جرمًا، كما لم تخطئ نظرتك تلك في تحليلها. لكنى هنا لي مقصد آخر، وشريحة أخرى عانت وما زالت تعاني التهميش والإقصاء المتعمد والمدعوم من أطراف كثيرة، هي ليست منك ببعيد، وليست من المجتمع بقِلة، كما أنها ليست من الزعامة بمسيطر. أعضاؤها تقدر أعدادهم بالملايين، علماؤها سُطرت بأقلامهم الأبحاث والفتاوى، تخللوا كافة العلوم الدنيوية منها والدينية، حموا إسلامًا ودافعوا عن أهل ذمة، نشروا سماحةً، وأدانوا تطرفًا.

طلاب الأزهر، بمختلف فئاتهم وتقسيماتهم بداية من المرحلة الابتدائية مرورًا بنظيرتها الإعدادية ووصولًا إلى أم المراحل وأصعبها وأشدها عنوة وعناد وجحودًا، المرحلة الثانوية. كما لم يسلم كذلك طلاب الجامعة المهضومة من نيل قسطٍ وافرٍ من الكعكة الحامضة، والكأس المر.

● يوم في حياة طالب أزهري

هو ذلك الطالب صغير السن الذي يستيقظ كل صباح تاليًا ومرتلًا لورده ومقرره من القرآن، ضامًا مصحفه الصغير إلى صدره، فلديه مهمة عليه تنفيذها، وشيخًا عليه بره وإسعاده، وإلا لن يتحمل كفاه الصغيران عصا شيخه وأستاذه، ولا سيما شتاءً، يا للمسكين!

تنتهي المرحلة الابتدائية وهو مطالبٌ بحفظ ما يقارب العشرة أجزاء من القرآن (200 صفحة) عن ظهر قلب ليعبر ناجيًا من اختباره الشفوي والتحريري، وقد أدى مهمته بنجاح، وحقق مبتغى والديه، حاملًا في صدره أعظم كلام وأجل ما كُتب على السطور؛ كلام الله! يتملكه الفرح ، وتغمره السعادة، فلم يعد صغيرًا بعد الآن. تأتي المرحلة الإعدادية ومعها تأتي الصدمة! فهناك ما يقارب العشرين من المواد الدراسية، ومن الكتب ما يتجاوز المائة والمائتين صفحة! لا أزال أتذكر ذلك اليوم وأنا أحمل كتبي تلك على كتفي! يا لثقلها وما تحوي من علم! ويا لحسرته إن ضيعها طالب العلم! ربِ لا تجعلها أسفارًا!

أما بالنسبة لمادة «اللغة العربية» فلا تدرس في الأزهر منذ نشأته! بل إن لديه: نحوًا، وصرفًا، وبلاغةً، وأدبًا، ونصوصًا، ومطالعة. أما فيما يتعلق بمادة «التربية الدينية» والتي يعتبرها الطالب العام عائقًا، تُنقص من درجاته، وتُقلل من تفوقه، فلديها هنا مسميات أخرى تعطها نوعًا من التميز والاستقلالية، فالعلم الشرعي عليه قامت أعمدةُ الأزهر، ومن بحره ينهل طلابه الأوفياء. تفسير، وتجويد، وقرآن كريم، وعلوم حديث، وعلوم قرآن، وحديث، وتوحيد، وسيرة، وفقه، وميراث… تلك هي مادة التربية الدينية الأزهرية. بالطبع إلى جانب مواده الثقافية بما فيها اللغات.

ثم الفترة الأشد وطأة، والأصعب منالًا؛ الثانوية الأزهرية بقسميها. لا تسطيع أن تفرق أيهما أشد صعوبة عن الآخر! فإما أن تلتحق بالقسم العلمي وتدرس الرياضيات بفروعها إلى جانب الأحياء والفيزيا والكيمياء…إلخ. أو تختار القسم الأدبي وتدرس الكتاب من أوله إلى منتهاه مهما بلغت أعداد صفحاته وموضوعاته.

● صعوبات متعاقبة

ورغم تلك الصعاب، يجد المسكين نفسه في مواجهة مباشرة مع مزيد منها بأشكال ووجوه مختلفة، مواجهة غير متكافئة بالمرة، مواجهة غير خاضعة لقوانين العملية التعليمية السّوية. امتحانات من وحي خيال المؤلف، درجات ظالمة هاضمة لمجهود عشرات الآلاف كل عام، لا رأفة ولا رحمة تجدها من مصححينا، تنسيق على كيفِ المسؤولين دون اعتبار للطلاب. منذ سنوات قلائل لم يكن يعرف الطالب الأزهري في مراحل شهادته الثلاث نظام الفصلين الدراسيين! بل إن عليه أن يجتاز امتحانه للعام كله منذ كان صغيرًا في الصف السادس الابتدائي! حتى من تفوق، وجد واجتهد، لم يجد من يحنو عليه حتى أوائل الأزهر لم يجدوا ما وجد غيرهم من تقدير لمجهودهم، وتشجيعًا لتميزهم. يا للعجب!

لم تنته سلسلة الصعوبات تلك بانتهاء المرحلة الثانوية، فما هي سوى قنطرة يمر عليها الطالب لحياة الغربة وتحمل المسؤولية مبكرًا، فقد حُكم عليه بقضاء ما يزيد عن الأربعة أعوام في العاصمة، حيث جامعته العريقة تستقبل طلابها من كل حدبٍ ونسل، من أرجاء المعمورة كلها، لا مصر وحدها. يغامر صاحبنا بعيدًا عن أهله وأحبابه، يخضع فيها لسطوة السماسرة، وجشع ملاك المباني، وغلاء المعيشة، وتطفل المتطفلين، تاركًا حياته الإقليمية وراء ظهره، يأتي أهله ضيفًا خفيف الظل سرعان ما يناديه واجبه وكليته فيلبي سريعًا، فقد أصبح السفر  للأزهري عادةً لا ينفك عنها. ناهيك عما يراه من تعنت وتمييز في حياته العملية واليومية من بعض السذج، عديمي الفكر، طائفيي المذهب.

 كما كان ولا يزال يلعب الجانب الإعلامي دوره المستفز بتجاهله كل ما له صله بالأزهر وطلابه، لا يعطي عُشر اهتمامه للطالب العام صاحب السبع مواد! فشتان بين هذا وذاك! هي شريحة منسية محارَبة من كل جانب، منسية من أهلها قبل الآخرين، منسية عن عمد وقصد من إعلام مشبوه، منسية لئلا يخرج الطبيب العارف بدينه، والمهندس الحافظ للقرآن، والإمام الواعظ لقومه. 

افتخر يا صاحبي بأزهريتك وأنشد:

أنا ابن الأزهر الحــــــــاني ********* أنا الإسلام ربـــاني

أنا من جئت للدنيــــــــا ******** لأرفع شأن أوطـــــاني

كتاب اللــــــــه أحمله *********** ولا أرضى بـه ثانٍ

وهدي محمدٍ يســــــــري ******** يهذب فيَ وجدانــــــي

درست العلـــــــم والأدبَ ******* وفقه الشــــــــرع قواني

علوم الديــــن والدنيا ************* تعانقني وتهوانــــي

ليس هجومًا أو تمييزًا عن أحد؛ كما أنه ليس استعطافًا ولا طلبًا للشفقة من أحد! ولكن أما آن لكلٍ أن يأخذ حقه وما له! أما آن لنا أن نعامل الجميع سواسية! أما آن لنا أن نرتقي! ولتعلم يا صاحبي أنه ليس بالضرورة أن يلتزم كل مَن درس في الأزهر بتعاليمه، ويسير على الصراط مستقيمًا، فلكل قاعدة شواذ لا يقاس عليهم! ولا يُأحذ منهم، كما لا يؤثر  شذوذه على الباقين. في بلد الأزهر يعامل الأزهري وكأنه غير مصري، لا أدري لماذا! ولكني أعلم أن لنا عما قريب عودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد