إن نعم الله علينا كثيرة، لا حصر لها، ولا تعدّ، وسنخصّص حديثنا عن نعمة من جليل هذه النّعم التي وهبنا الله إيّاها، ولربّما يغفل عنها الكثير منّا، ولنتعرّف على هذه النعمة الجليلة، فدعني – لو سمحت – أطرح عليك الأسئلة التالية:

– ماذا تحسّ تجاه إخوانك وأصحابك ومعارفك؟ وتجاه إخوتك في الدين؟ وفي كل أنحاء المعمورة؟! إن فيهم العالم والجاهل، والتقيّ والمقتصد، والغني والفقير، ومن ترضى طريقته وفهمه ومذهبه واتجاهه… ومن تخالفه في شيء من ذلك، أو ربما أشياء؟

– هل يغلب على إحساسك تجاه هؤلاء جميعًا شعور الأخوة في الله، والحب في الله، أم تقف الحوائلُ دون ذلك، حوائل الحسد والخصومة والتنافس، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فتراك تُحرم من نعمة الإخاء في الله والحب فيه؟!

إن أعظم نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة: الأخوة والحب في الله، فهي رباط إيماني قوى يقوم على منهج الله، وينبثق من التقوى، ويرتكز على الاعتصام بحبل الله وطريق النبي- صلى الله عليه وسلم- فقد أمرنا الله بها فقال: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. (آل عمران:103)، وربطها بالإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ. (الحجرات:10)؛ فإذا تذوّقت هذه المعاني فأنت في بحبوحة الإيمان، وأنت أهل للفوز برضوان الله تعالى وجنته. ففي الحديث القدسي يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون بجلالي؟ اليوم أُظِلّهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلّي. رواه مسلم، فأي كرم هذا؟ وأي فضل!

ولقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتدعو إلى ما يعمّق الأخوّة والمحبّة بين المؤمنين، وتحثّ وتأمر على ذلك بشدّة، وتنهى عن كل ما يعكّر صفو القلوب، ويوجد الشحناء والبغضاء والقطيعة بينهم؛ قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. (سورة الأنفال: 62 و63).

فمن دواعي الحب في الله، ومن مؤكّداته ومعزِّزاته، و مما أمر به الدين: التراحم؛ حيث نلحظ روح الرحمة والإيثار، بين أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (سورة الفتح: 29)، ونسمع التحذير من التفرق والاختلاف، وكل ما يجرح الأخوة أو يعكّر صفو القلوب؛ قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. (سورة آل عمران: 105)، والحثّ على التعاون على البر والتقوى، والتناصح، والتواضع ولين الجانب، وإصلاح ذات البين، والإيثار؛ قال تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. (سورة الحشر: 9)، أضف إلى ذلك التناصر، والتزاور والتهادي؛ فلقد جاء في الحديث القدسي: قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ. رواه مالك. ضف إلى ذلك إفشاء السلام؛ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا. أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم. رواه مسلم. كما لا ننسى محبّة الخير للغير؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه. رواه أحمد والبخاري ومسلم.

أما سوء الظن، والغيبة، والنميمة، والسباب، والقتال، والحسد، والتجسس، والغش والظلم والخذلان والبغضاء… فهي من الأمور التي تتنافى مع الأخوة، وتهدم الحب في الله، وتفرّق القلوب، وتبعد عن الله؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا. (سورة الحجرات: 12). وقال الرسول صلى الله عليه وسلّم: إياكم والظنَّ، فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذُله ولا يحقِرُه. التقوى ههنا، التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرّات). بحسْب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه ومالُه. رواه مسلم.

هذا فضلًا عن آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة في بر الوالدين وصلة الرحم، وتقديم الهدية، وإكرام الجار والضيف، وعيادة المريض، وإعانة ذي الحاجة والملهوف، وإدخال السرور على قلب المسلم، وكشف الكربة عنه وقضاء الدين عنه، وحسن الخلق مع الناس والرفق بهم والحِلْم عليهم، والعفو عنهم، وبذْل الكلمة الطيبة؛ ومن هنا ندرك مِنّته سبحانه وتعالى علينا بتأليف قلوبنا.

فإذا كان تأكيد الأخوة في الله، والحب فيه، بهذا الوضوح في كتاب الله تعالى وسنة نبيه – صلّى الله عليه وسلم – فما مكانة الأواصر الأخرى، كآصرة العشيرة والبلد والمهنة…؟ الصحيح أن لكل آصرة مكانتها التي لا ترقى أن تكون بديلًا عن آصرة الأخوة في الله، ولا أن تكون منافسة لها. فللمسلم أن يحب قرابته المسلمين ويواسيهم ويرفق بهم… أكثر مما يفعله مع سائر المسلمين، لكنه لا يمكن أن يمنح مودّته للكافر مهما اشتدت قرابته منه، وقد قال تعالى: لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. (سورة المجادلة: 22)؛ بل إن آية كريمة توعَّدَتْ أشد الوعيد من قدَّم أحدًا، أو قدّم شيئًا، على حب الله ورسوله وجهاد في سبيله؛ قال عزّ من قائل: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. (سورة التوبة: 24).

فمن وجد قلبه مملوءًا بحب الله تعالى، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب دينه، وحب إخوانه المؤمنين، فليحمد الله تعالى، وليستمسك بذلك. ومن وجد نضوبا لهذا الحب في قلبه، أو وجد نفسه يقدّم شيئا على حب الله ورسوله وأوليائه… فليراجع نفسه، وليسأل الله أن يهديه سواء السبيل.

أخي الحبيب، ان عيشك بهاته النفحات العطرة في رحاب واحة الأخوة في الله لن تنسى؛ فهي من أجمل اللحظات في العمر، فباستشعار هذه النعمة والعيش في رحابها، حينها ستعيش عمرا يفيض بالعطاء وينبض بالحركة، وستمضي الأيام كأنها ساعات في رحاب هاته الواحة المباركة.

أخي الحبيب، ما أطيب أيام المودة و الصفاء في رحاب هاته الأخوة، ولن تعدم تلك المصافحة والأحضان بعد الحلق في رياض تحوطها الملائكة، وستذكر أيام الأسمار والأسفار والخرجات في رحاب هاته الواحة الطيّبة، حين تشدو بالنشيد لهاته الأخوة بأصوات الفتيان، أكيد، فطيب أيامها لا ينسيك تلك الأبيات المحملة بأجمل العواطف، المرسلة من قلوب تنبض بالإيمان:

أخي أنت لي دفقة من حنان … أخي أنت لي نفحة من أمان

وآمال قلبي ومشعل دربي … وأنت ضياء المدى والزمان

أخي الحبيب! لا أحسبك ستنسى هاته النعمة الربّانية، المحمّلة بالمعاني الراقية و من ذلك الفهم العميق لحقائق الإسلام في محاضن التربية.

فيالها من معان ملهمة للإمام حسن البنا – رحمه الله – وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوبُ والأرواحُ برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابطِ وأغلاها، والأخوَّة أخت الإيمان، والتفرُّقُ أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، ولا وِحْدَةَ بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ. (الحشر: 9).

فما أجملها يا أخي الحبيب! وما أحلاها من نعمة ننعم بها، في رحاب هاته الواحة الجميلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد