إن أعظم آفات هذا العصر وأكثرها انتشارًا هي آفة التجاهل، تجاهل الفرد للجماعة والعكس كل يسير على هواه حتى في الثابت والمعلوم، تجاهل الراعي لرعيته وما يصحبه من عواقب، وصولًا لتجاهل الفرد لحاله الشخصي بسبب طول الأمد. لكن الصومعة الرئيسية لمواجهة هذه الظاهرة هي المنزل. فالأسرة هي النبتة ومكان وجودها مهما اختلف فهو التربة وخير أماكن العِلم والتعلم.

حاول بفضولك أو لمواجهة مخاوفك المستقبلية أن تسأل أحد أولياء الأمور: ماذا يعرف عن أبنائه؟ أو ما يدور في أذهانهم من أحلام وهوايات وطموحات وأماني؟ ستجد أن الإجابة: لا شيء. إلا من رحم ربي. أو من يخطط لأبنائه حياة دون علمهم. وهذا ومن سبقوه سواء.

فأصحاب الطائفة الأولى: قد أنجبوهم وتركوهم للحياة والمجتمع يلعبان بهم كأوراق الخريف، ظنًا منهم أن مهمتهم قد انتهت عندما أنجبوهم. وهؤلاء لا يفكرون إلا في أنفسهم لأنه هو الوحيد المستفيد، أناني، لم ينجبهم إلا ليتباهى بهم ويحملوا اسمه. أمر للوجاهة البحتة، ولإثبات أنه يمكنه الإنجاب أمام أقرانه. وهذه الظاهرة متأصلة في المجتمعات العربية، ورغم غرابتها والخوف منها فهي مستمرة ولا تنقطع أو حتى تقل، واستمراريتها تظهر ما سيكون عليه المستقبل في هذا الجزء من العالم.

وإن كانت من الممكن أن تظهر المستقبل البعيد فهي وبكل تأكيد تظهر المستقبل القريب الذي يتلخص في 40 سنة. ببرهان بسيط وهو أن الجيل الواحد مدته 40 سنة، اقرأ إن أردت قول الله تعالى: «قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ» 26 المائدة. لما دعا عليهم موسى عليه السلام، حين نكلوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرا مدة أربعين سنة. حتى يتغير ما كان عليه القوم الأول من حال، فيدخل الجيل الجديد بعهد جديد.

أصحاب الطائفة الثانية: الذين يخططون لأبنائهم حيواتهم وما سيصبحون عليه. فهم وإن كانوا يظنون أنهم يفعلون الصواب فهم في الحقيقة على قدر لا بأس به من الأنانية الفكرية أيضًا يزيد عليها التسلط. لأنهم قد قرروا أن يعيشوا حيواتهم وحيوات أبنائهم. يخططون ما يريدون ويدفعون ويحيون الحياة مع الإنجاب والتربية بالطريقة التي يرونها صحيحة مع ما كان معها من تفريط.

أبناء الطبقة الأولى: مظاليم التقصير الذي لا يلامون عليه، لأنهم لا دخل لهم به، فهم لم يجدوا المرشد أو المُعين.

أبناء الطبقة الثانية: يحظون بالمرشد، لكنهم لا يملكون سُلطة أو مساحة التعبير عن ما يدور في أذهانهم، فكل شيء قد عُد مسبقًا. الحياة والمجال التعليمي وربما حتى الزوجة. وليس هناك أسوأ من سلب الإرادة.

إذًا فكلاهما يشترك في هذه المظلمة وما بها من المعاناة وعدم الرضا عن الحال حتى وإن كان رغيدًا. يؤدي ذلك إلى الوحدة والاكتئاب وحتى إنكار الذات والانتحار. وأنا على يقين بأنه ما من شاب قد قرر الانتحار أو فكر فيه إلا بتقصير من حوله في رعايته، حتى أنه قد أرسل لهم الكثير من العلامات والإشارات قبل أن يقبل على فعله متمنيا منهم أن ينقذوه، لكنها ظلت أمانٍ لم تتحقق ليس إلا، بتناسيهم لها وإلقائها في غياهب النسيان.

 بل ويبدؤون في مطالبتهم للأبناء بعد سن معين بأمور مفزعة، إما الزواج المبكر للفتيات! ليخرجوا من وطأة المسؤولية عنهم، أو بالعمل وتحصيل القوت للأطفال والشباب، أو بإجبارهم على السفر إلى أوروبا عبر طرق غير شرعية يمازجها الموت لكسب المال، وهنا تقلب الآيات وتتبدل الأدوار، فلا يصح للآباء بعدها سطوة على شاب لم يجب من يحنوا عليه أو فتاة بيعت بأبخس الأثمان، ولفظ البيع وحده يكفي ولن يغير الثمن الذي بيع به أي شيء، فتكون العواقب وخيمة.

تدبر إن أردت في حال من يقدم على الانتحار في مكان عام! فلسان حاله يطلب الشفقة بلا كلمات، لأنه قد تعب من ترديدها أمام من لا يسمعها. وسؤالًا للمساعدة التي لم يلقها، لا لأنه يريد حقًا القيام بالفعل. فمن يريد أن يفعل ذلك افتناعًا لا يبلغ أحدًا به، بل لا يتحدث عنه أبدًا، لأنه يعلم تمام العلم أنه مقبل على فعل غير مقبول شرعًا وعقلًا وإن كانت بعض الدول تقننها إرضاءً لحرية الاختيار عند مواطنيها. لأن الإنسان خلق ليكون حرًا إلا لله، يختار فيحاسب ويخطئ فيتوب، ولولا الاختيار ما كان الحساب، لأننا مع الله العادل.

وهذا سيعيدنا لموضوعنا الأساسي: سلب الإرادة عند الأبناء، فإن كانت حريته في إنهاء حياته مكفولة، فكيف لا يملكها في حياته وما يريد أن يكون عليه؟!

فإن كنت تظن أن المال هو ما يضمن حياة سعيدة، فتدبر فيما حدث مع الخليفة المنصور ومقاتل بن سليمان رضي الله عنه:

فدخل «مقاتل بن سليمان» رحمه الله، على «المنصور» يوم بُويعَ بالخلافة، فقال له المنصور: عِظني يا مقاتل! فقال: أعظُك بما رأيت أم بما سمعت؟ قال: بما رأيت.. قال: يا أمير المؤمين! إن عمر بن عبد العزيز أنجب أحد عشر ولدًا وترك ثمانية عشر دينارًا، كُفِّنَ بخمسة دنانير، واشتُريَ له قبر بأربعة دنانير وَوزّع الباقي على أبنائه. وهشام بن عبد الملك أنجب أحد عشر ولدًا، وكان نصيب كلّ ولدٍ من التركة مليون دينار.

والله.. يا أمير المؤمين: لقد رأيت في يومٍ واحد أحد أبناء عمر بن عبد العزيز يتصدَّق بمائة فرس للجهاد في سبيل الله، وأحد أبناء هشام يتسوَّل في الأسواق! وقد سأل الناس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو على فراش الموت: ماذا تركت لأبنائك يا عمر؟ قال: تركت لهم تقوى الله، فإن كانوا صالحين فالله تعالى يتولَّى الصالحين، وإن كانوا غير ذلك فلن أترك لهم ما يُعينهم على معصية الله تعالى. اقرأ إن أردت قول الله تعالى: «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا» النساء 9.

فماذا يمكن أن يضمن الإنسان لأبنائه إن كان لا يملك ما يضمن لنفسه! فلا تنجب جسدًا ثم تنزع منه الروح بتسلطك.

من أراد ولدًا كإسماعيل عليه السلام حينما أطاع أباه إبراهيم عليه السلام قائلاً: «قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» وقت أن طلب منه أن يذبحه، فعليه أولاً أن يكون كإبراهيم عليه السلام حينما عرض الأمر على إسماعيل. حينما عرض عليه الأمر قائلاً: “فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ» الصافات 102

فقد خيره ولم يجبره، أخذ رأيه ولم يفرضه عليه رغم أنه وحي من الله.

ومن أراد ولدًا كيوسف فعليه أن يكون كيعقوب عليهما السلام أولاً من حب وود يجعل أولاده يهرعون إليه يقصون عليه الرؤى والأحلام.

ومن أراد بنتًا كفاطمة رضي الله عنها فعليه أن يكون لها كمحمد عليه الصلاة والسلام أو يحاول قدر المستطاع.

فاسمع لأولادك في صغائر الأمور كلها ما أمكنك، وإلا لن يشاركوك عظائم أمورهم غداً، وحينها لا تلومن إلا نفسك.

وتذكر أن للأبناء حقوقًا لا يجب تجاهلها، منها قول النبي صل الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع». رواه أحمد وأبو داود.

ومنها ثلاثة أمور أساسية كما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه فأحضر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه وأنبه على عقوقه لأبيه، فقال الابن: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب (القرآن). فقال الابن: يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئًا من ذلك: أما أمي فإنها زوجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعلاً (جعرانًا)، ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا. فالتفت أمير المؤمين إلى الرجل، وقال له: أجئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

فبالصلاة والقرآن لا يخاف عليهم. وبانعدامهما يجب أن يرتجف ولي الأمر خوفًا عليهم مما ستفعل بهم الحياة، وكم انعدام الرضا الذي سيكونون عليه.

فانجب بنية أن تصبح والدًا جيدًا ومرشدًا صالحًا، وإلا فلا حق لك في ذلك. أعط ما بالإمكان فلن يلومك أحد على تقصيرك المادي، لكنك ملام إن وفرت المادي وتركت النفسي والمعنوي. فخد بالأولى.

وإن كنت تريد أن تنشئهم نشأة لا دينية فرغم خساراتها الفادحة في الآخرة، وهيامها الذي لا رشد فيه في الدنيا، إلا أنه ما زال بالإمكان أن تنشئهم نشأة علمية معرفية يفيد بها غيره ونحسب أن العِلم سيعيدهم إلى الدين بفضل الله. لكن عليك أن تنظر حينها إلى أحوال غير المسلمين مع أبنائهم: طفل في الثالثة عشرة وقبله آخر في الرابعة عشرة يصنع مفاعلاً نوويًا في بيته. وأطفال الصين وآسيا بشكل عام الذين لا يعرفون معنى النقود ولا أشكالها إلا بعد الانتهاء من مرحلة الثانوية. ذلك لأن الآباء قد كفلوا لهم حق التعليم والحياة الهادئة الهانئة حتى يبلغوا أشدهم ويصحون قادرين على الاختيار والتمييز.

كل مطالبهم تحت النظر، المشورة والرأي يومية، بل وقتيه ولحظية. على عكس ما يحدث في أكثر المناطق والبلدان في الوطن العربي: فغداء ما بعد الجمعة قد أجلناه لبعد العصر أو قبل الصلاة وكل يأكل وقت ما يحلو له، لا وقت محدد لاجتماع عائلي ولا رعاية قبل النوم ولا مشورة قد تذكر، ولا نعرف عن بعضنا شيئًا إلا بعد وقوع المصيبة والعياذ بالله. ثم نتساءل ما الذي وصل بغيرنا إلى الحال الطيب الذي هم فيه؟ كيف يحق لنا أن نتساءل ونحن لم نعتمد لا المبدأ الديني ولا حتى الدنيوي؟

في النهاية فخير نصيحة هي تذكرة لي ولغيري بالمسؤولية التي هي أشد الأمانات وأعظمها. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلّ الله عليه وسلم أنه قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.

فكن راعيًا حافظًا مؤتمنًا، رجلُ وكّل إليك أمر أبنائك فلا تفرط فيهم وكن على قدر الثقة وإلا فلا مجتمع سينهض ولا أسرة ستسعد أو فرد سيرضى وإلى الله تعالى كل أمر ولا حول ولا قوة إلا به نسأله أن يأخذ بيأيدينا وأن يجعلنا على قدر المسؤولية وأن ينفع بنا وبكم ويهدينا لما ينفعنا.

دمتم في نعيم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد