نطالع يوميًا عشرات الأخبار التي تتحدث عن حالات القتل والاختطاف والاغتصاب والمحاولات الفاشلة للقتل والتهديدات، التي تطال العراقيين في مختلف المحافظات العراقية الهادئة منها والساخنة أمنيًا، نطالعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تنتشر الأخبار فيها سريعًا، وأحيانًا دون أيِّ تحقّق من صحة الأخبار أو معرفة مصادرها، وعبر المواقع الإخبارية والوكالات والصحف، التي تتسابق جميعها لنقل تلك الأخبار، ويتفاعل معها المتابعون ومع ضحاياها بشكلٍ متباين، وباعتبار أن نسبةً كبيرة جدًا من العراقيين تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي ولساعات عديدة من اليوم، فإن هذا يضمن أن مثل تلك الأخبار تصل إلى فئاتٍ كبيرة من المجتمع العراقي.

لا يختلف هذا الوضع في العراق عن باقي دول العالم، أو عن دول الشرق الأوسط على الأقل، ففي كل العالم تحدث مثل هذه المشاكل ويتم نشرها والإعلان عنها، نعم، قد تُشابه الحال في بعض الدول العربية حال العراق في التلقي وتبني ردود الفعل، لكن الفرق هنا هو بالتعاطي معها من حيث المجتمع بالدرجة الأولى، ومن ثم من قبل الجهات الحكومية المعنية بمعالجتها واتخاذ إجراءات بحقها، ولو أخذنا مثالًا على ذلك، ففي الأشهر القليلة الماضية شهدت مدن مختلفة من العراق، عددًا كبيرًا من حالات القتل والاختطاف والسرقات وحتى الاغتصاب، ومنها لأطفالٍ صغار، وكان الضحايا من طبقاتٍ اجتماعية مختلفة، وهذه هي النقطة الجوهرية التي يتفاعل من خلالها المجتمع مع هذه الحالات ومع الضحايا أنفسهم.

فحين تكون الضحيّة من طبقةٍ اجتماعية عالية في المجتمع، أو وجهًا معروفًا، أو شخصًا مؤثرًا، أو تاجرًا ما، أو سياسيًا كبيرًا، أو من مشاهير التواصل الاجتماعي، وغيرهم، تجد أن التفاعل مع قضيته يكون منقطع النظير، وتنتشر سيرته في مختلف المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى في الفضائيات والصحف الكبرى، بل يصل الأمر إلى أن تُنظم مظاهرات حاشدة وتُسيَّر في أماكن مختلفة للمطالبة بالكشف عن مصيره، أو للتعجيل في التحقيق بقضيته، وكشف ملابساتها ومقاضاة الجناة.

أعتقد كما تعتقد نسبة كبيرة من المجتمع، أن هذا الحراك والضغط والأصوات التي تعلو للمطالبة بحق هؤلاء، هي خطوة عظيمة ورائعة بكل المقاييس؛ لأنها في النهاية تقف مع حقوق الإنسان، وتُعتبر ميزة كبيرة وتوجه جماهيري صحيح، وتطالب بإرساء دعائم الأمن في المجتمع، لكن الذي لا يمكن أن يكون صحيحًا أو مقنعًا، هو أن كثيرين من هؤلاء الأشخاص، ينأَوْن بأنفسهم، أو تجدهم أقلَّ تفاعلًا ومطالبًة، حين يتعلق الأمر بالأشخاص العاديين، أقصد الأشخاص البسطاء الذين يُقتلون أو يُختطفون أو يتعرضون لأذيةٍ ما، هؤلاء الذين لا تُسلَّط عليهم الأضواء، ولا تبحث عنهم الكاميرات، ولا تنقذهم أو تُرجع حقوقهم تحقيقات الصحفيين الاستقصائيين، أتكلم عن السواد الأعظم من الشعب العراقي، الذي ينشغل بجمع قوت يومه، أو البحث عمّا يؤمِّن حياته، من عملٍ حرٍ أو وظيفةٍ يكاد راتبها لا يُوصله لمنتصف الشهر، العراقيون الذين يتحاشون أن يتدخلوا في أمور كثيرة لا تخصهم، ليس خوفًا على أنفسهم، بل على عوائلهم وبيوتهم التي بنوها بعد عناءٍ طويل، فتجد أن الإعلام بشكلٍ عام، والمدونين والمجتمع نفسه يتعاطى مع هؤلاء بطريقةٍ بسيطة جدا، وقد لا يتأثرون أصلًا، ويتحدث في الأمر عدد قليل من الناس، هم من العائلة أو الأصحاب أو أبناء المنطقة، وربّما يصل الأمر بمنظمات حقوق الإنسان الحكومية وغير الحكومية حتى لعدم إصدار بيان أو تقرير عن هذه الحالات، التي وقعت على شخص هنا وهناك، رغم أنها تتكرر في فتراتٍ قريبة جدا وبشكل كبير، ولا يتحدث عن أمره الناس، وإن تحدثوا فبشكلٍ عابر وبلا اهتمام، وبالتالي يُنسى أمره، وتبدأ قضيته بالاضمحلال بعد يوم أو يومين.

حين نركز على القتلى، فإننا لا نغض البصر عن المختطفين أو من ينجون من محاولة قتل، أو تقع عليهم أذية معينة، ففي النهاية هي كلّها جرائم فظيعة، لكن واقع الأمر يتطلب هذا التركيز، حيث إن الضحيّة الذي يُقتل ينتهي أمره تمامًا، بينما يُمكن للمختطف أحيانًا أن يُطلق سراحه أو يهرب ويعود لعائلته، والمصاب يمكن أن يتماثل للشفاء. فهل تتواءم طريقة تفاعل المجتمع مع هذه الحالة بمثل هذا التمييز بين فئةٍ وأخرى؟ فهؤلاء الضحايا المقتولون هم المنسيون الذين لا يطالب أحد بحقوقهم، الذين تُمحى صورهم من ذاكرة المجتمع، وتُطوى ملفاتهم في أدراج الوزارات الأمنية وروتينها، مع كثرة الجرائم وتنوعها وغرابة بعضها، على الرغم من أنها تبدو للمتابع لعملها تبذل جهودًا كبيرة للسيطرة على تدهور الوضع الأمني وتكرار مثل هذه الحالات، لكن مشاكل كثيرة تواجه عملها وتحد من سيطرتها.

كيف يمكن لهؤلاء المنسيين من قبل الرأي العام، والمحذوفين من قائمة اهتمام الجماهير، أن يطمئنوا في قبورهم، بأن دمائهم لم تذهب سدىً؟ وقد أُخذت حقوقهم، وهم الذين عانوا في حياتهم ومماتهم، في وطنٍ أقسى ما فيه، أنك تُقتل ببساطةٍ ودمٍ بارد، لسببٍ أو دون سبب! كيف يمكن لعوائلهم التي ستُصبح منسيةً أيضًا، أن تعيش في ظل غياب المعيل، أو الابن الشاب، أو الابنة الوحيدة، أو الطفل المدلّل؟ هناك حالات كثيرة جدًا لا يمكن أن تُعد، لا يتم ذكرها بالمرّة، ولا تجد للحديث عنها منصّةً أو فمًا، نحن هنا نتحدث عما نسمعه ونراه في الشارع من أحاديث الهمس أو منشورات الاستنكار الخجولة فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد