المواطنة الليبرالية

المواطنة الليبرالية هي ذات طابع قانوني رسمي وسلبي بالعموم، كما أنها تتميز بأولوية الحقوق على الواجبات والمجال الخاص على العام، فالمواطنة الليبرالية تعلي من قيم الحرية والفردية والمجال الخاص، وتنظر للمواطن باعتباره كائنًا فرديًّا وتشدد على حقوقه الفردية التي تمكن الفرد من اتباع فهمه الخاص للحياة الخيرة بدون أي تدخل أو إكراه من المجتمع أو الدولة، وهي بذلك تتسم بواجبات الحد الأدنى كطاعة القوانين ودفع الضرائب وغيرها من الأمور التي لا تؤثر في هوية وصفة الفرد، كما أن الليبراليين يرتكزون على القوانين والمؤسسات لتحقيق المجتمع الليبرالي، حيث إنهم يتعاملون مع مخاطر هذه الفردية بالتأكيد على ضرورة إحداث سلطة سياسية، ولكنهم رغم ذلك يدعون لتقييد هذه السلطة لمنعها من الاستبداد، فهم يركزون على البنى والقيود الدستورية التي تحمي الحقوق الفردية من تدخل الحكومة، كما أنهم حساسون لأي تهديد للحرية الفردية سواء من الدولة أو المجتمع.

المواطنة الليبرالية تؤكد على الدولة المحايدة، فالدولة يجب ألا تختار بين وجهات النظر المتنافسة للمجتمع الفاضل، ولا تدعم وجهات نظر محددة أو معينة، كما أن الليبراليين يعارضون فرض أي وجهة محددة من الخير العام والمشترك بين المواطنين، وذلك لأنهم متشددين على مفهوم الحرية، إضافة إلى أنهم يركزون على التمييز بين العام والخاص، بحيث إن العام يتم التحكم به من قبل الدولة والخاص خارج عن سيطرة الدولة، كما أن الليبرالية تدعم الخيارات الشخصية على الجماعة، والمواطنون يمكنهم المشاركة أو لا حسب رغبتهم في المجال العام، هذا واعتبر (توماس هنفري مارشال) وهو أحد أبرز من نظّر للمواطنة الليبرالية، أن المواطنة الليبرالية في المجتمعات المعاصرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: 1-مواطنة قانونية. 2-مواطنة سياسية. 3-مواطنة اجتماعية.

المواطنة الاشتراكية

المواطنة من وجهت نظر الاشتراكية (الجمعانيون)، فإنها تعتمد على ثلاثة أمور أساسية هي: 1-أولوية الواجبات على الحقوق، حيث يعتبر الاشتراكيون أن العضوية في الجماعة السياسية استنادًا للمواطنة الليبرالية القائمة على الحقوق فقط هي رسمية جدًا وشكلية، كما أن التمتع بالحقوق يتعلق بقيام المواطنين بواجباتهم تجاه مجتمعاتهم، بالمقابل هم يعتبرون أن الواجبات والمسؤوليات هي أهم الشروط لجماعة قوية ومستقرة قادرة على إعطاء الحقوق لباقي المواطنين، لكن بدعمهم الواجبات على القيم يتم انتقادهم بأنهم يدعمون الإكراه ضد الأقليات والمجموعات التي ترفض النسخة الأكثرية من الخير العام ويغيبون حقوقها.

2-التشديد على أهمية العضوية في الجماعة، حيث يعتبر الاشتراكيون الهوية المشتركة للجماعة (على خلاف المواطنة الليبرالية) كأمر قبلي وسابق للحقوق، فالجماعة بالنسبة لهم هي قبل الفرد وهي مركز النظام الأخلاقي، وتحتاج لحماية تقاليدها وثقافتها، كما أنه لا يوجد فرد خارج إطار المجتمع، والفرد هو نتاج المجتمع وثقافته وتحيزاته، والجماعة بالتالي تعطي أساس ثقافي للمواطنة، فالمواطنة بالنسبة لهم ليست مبدأ عامًّا وشاملًا، ولكنه مخصوص لكل جماعة ثقافية على حدة، ومختلف الجماعات عندها مفاهيم مختلفة للمواطنة والعدالة، كما أنهم يعارضون المبادئ الكلية الشاملة، ويعتبرونها كشيء شكلي ومهيمن على خصوصيات الجماعة.

3-الهوية المشتركة للجماعة (الحاجة إلى وجود مبدأ ثابت للخير العام والمشترك)، حيث يعتبر الاشتراكيون القيم والأخلاق هامة للجماعة وذات معنى، كما أنها تنعكس على الفرد ومكتسبة منه في نفس الوقت، والدولة يجب عليها ألا تكون محايدة وأن تشجع وتدعم القيم والخير المشترك للجماعة.

أما أهم الانتقادات التي توجه إلى المواطنة الاشتراكية الجمعانية، هي تعصبها بسبب التمسك بالرموز الثقافية المميزة لكل جماعة عن الجماعات الأخرى، وتشجيعها أو على الأقل صمتها عن انعزال وانغلاق الأفراد داخل الجماعة الثقافية الواحدة، إضافة إلى الجمود على القديم ورفض الانفتاح على الآخر والتجديد.

المواطنة الجمهورية

النظرية الجمهورية في المواطنة تفهم المواطنة كمسؤولية وعبء ومنصب من الشرف يجب تحمله، وذلك على عكس الليبراليين الذين ينظرون إليها كمكانة واستحقاق أو مجموعة حقوق تحاز بشكل سلبي، فالجمهوريون يشاركون الاشتراكيين ارتيابهم من مبادئ الفردية والخصوصية للمواطنة الليبرالية، كما أنهم لا يعتمدون على الثقافات والتقاليد الخاصة بالمجتمعات كرافعة لتحقق المواطنة، ولكن على المشاركة الفاعلة في الجماعة وشؤونها العامة.

هذا ولا يعارض الجمهوريون مركزية الحرية عند الليبراليين ولكنهم يفهمونها بشكل مختلف، فالحرية تتحقق عندهم من خلال العضوية في جماعة سياسية تحكم نفسها بنفسها، والحرية كخير هي جزء من الخير العام الذي لا يمكن للناس أن تحققه بمفرها، وتحقيقه يتم عبر العمل النشط مع الجماعة التي ينتمي إليها المرء، فالمواطنة تعطي الحرية عبر الحكم الذاتي للجماعة، والعضوية في الجماعة تتحقق من خلال المشاركة بالشأن العام، حيث يتلاقى المواطنون ويتفاعلون مع باقي أفراد الجماعة، كما أن المشاركة الفاعلة العلنية في العمل العام عند الجمهوريين لها مواصفتان أساسيتان هي قانونية وأخلاقية، فالقانونية تشمل الميزات والحصانة التي تمنح للمواطن وتميزه عن غيره، أما الأخلاقية فتحتاج إلى الالتزام بالخير العام والمشاركة النشطة في الشؤون العامة.

لهذا فإن الحكومة عند الجمهوريين هي شأن عام معني به كل المواطنين، حيث إنهم هم الحاكمون لأنفسهم عبر هذه الحكومة، وذلك لأن العلانية والحكم الذاتي هي من الأساسيات للجمهوريين، كما أن المواطنة لا تتحقق بالملكية ولكن من خلال المؤسسات القانونية والسياسية التي تؤسس لحالة محصنة من المساواة السياسية والقانونية، فالمشاركة هنا هي أساس المواطنة والطريقة التي من خلالها يصبح الشعب مجموعة من المواطنين، وهذه المشاركة تتحقق بالمواطنين الإيجابيين الذين يضعون المصالح الخاصة جانبا حينما يتعاملون داخل المجال العام، حيث أن الطبيعة العامة العلنية للمواطنة الجمهورية تتجلى بأن المواطن الجيد هو شخص ذو بعد عمومي يضع المصلحة العامة فوق الخاصة، إضافة إلى التزامه بالخير العام من خلال المشاركة المدنية.

كما أن النظرية الجمهورية في المواطنة تدعو إلى أولوية الواجبات على الحقوق، وذلك لأن الجمهوريين يفهمون المواطنة كواجب ومسؤولية ومنصب من الشرف يجب تحمله، فالمواطن الجمهوري ذو البعد العام يمتلك ما يسمى بالفضائل المدنية التي توجه نشاطه العام، وهذه الفضائل تشمل الفاعلية في الحياة العامة والإخلاص للوطن والجماعة والتبادل والمشاركة، وهذه الفضائل ضرورية لدفع المواطنين ليكونوا نشيطين في منظومة الحكم، وليكونوا قادرين للدفاع عن جمهوريتهم عند الحاجة، كما أنها ضرورية لتمسك المواطن بمدينته وجماعته ومصلحتها العامة، حيث أن الفضائل المدنية والخير العام هما البعد الأخلاقي الحاكم للمواطنة عند الجمهوريين، لكن هذه الدعوة للفضائل المدنية والخير العام هي في نفس الوقت مادة لانتقاد الجمهوريين، وذلك لأنهما يكرسان حكم الأغلبية ويهمشان مصالح الأقليات التي لا تتماهى بالضرورة مع المصلحة العامة.

أخيرًا يقول الفيلسوف طه عبد الرحمن أن آفات النظرية الليبرالية هي فيما تمثله من انفصال بين واقعية المشاركة العامة والأساس الذي بنيت عليه هذه المشاركة، وانفصال بين ذات الإنسان وبين غيره، وتعدد القيم في المجتمع الليبرالي وانفصال القيم بين العام والخاص، أما آفات النظرية الاشتراكية الجمعانية هي فيما تمثله من انغلاق وتعصب بسبب عداء التميز التاريخي وإعلاء الرموز الثقافية والتاريخية، إضافة إلى التركيز على الفوارق بين الجماعة وغيرها، والانغلاق في الخصوصية عن الآخرين، والجمود الأخلاقي نتيجة التشديد على المحافظة الأخلاقية وتبني أخلاق التقاليد والعادات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد