في كل عام وفي العشرين من صفر تحديدًا يهرع الشيعة الإمامية إلى القبر المزعوم للإمام الحسين في كربلاء مشيًا على الأقدام، فيشلون حركة البلاد والعباد، فتتعطل مؤسسات ودوائر الدولة وتصاب بالشلل لأكثر من 10 أيام مع ما يتعلق جرّاء ذلك من خسائر مادية وأضرار كبيرة في البنى التحتية، ولأن العراق دولة طائفية قد سخرت إمكانياتها وقُدرتها لخدمة طائفة واحدة دون سواها، فلم تلتفت هذه الدولة إلى كل تلك الخسائر، وكل تلك الأضرار التي تسببها تلك المسيرة لعامة الناس مع ما يصاحبها من نصب السرادقات، والخيام، والمواكب، وقطع الطرقات قطعًا تامًا، فلا حرمة لميت، ولا رعاية لمريض، وقد زادت بالطين بلة، فسخرت قوات الجيش والشرطة لرعاية تلك المسيرات، وهذه السياسية للدولة العراقية المعاصرة ليست وليدة الصدفة، أو هي وليدة لمزاج معين أو فكرة معينة، وإنما هو عقيدة راسخة في ذهن هذا القطيع، وهذه العقيدة قائمة على العلاقة بين الشيعي والقبور، وهي علاقة وطيدة راسخة غير قابلة للإنثلام تمامًا كما هي العلاقة بين أنبياء الله عز وجل وبين الخالق سبحانه، فكما أن الأنبياء وعباد الله من أهل التوحيد لا يتوجهون إلا لله سبحانه، فكذلك الشيعة القبوريون لا يعرفون أثناء الدعاء والطلب، إلا تلك القبور التي لا تجلب نفعًا ولا تدفعُ ضرًا.

وباستقراء آيات الكتاب والأحاديث الشريفة وسيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم استقراءً تامًا نجد أن زيارة القبور تنقسم إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: الزيارة الشرعية للقبور: وهي سُنة مُؤكدةٌ من سنن الهدي، فلقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يزور قبور الصحابة، ويدعو لهم، ويترحم عليهم، كما جاء في حديث عائشة رضى الله عنها حيث تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»1 وكذلك جاء في حديث ابن عباس رضى الله عنهما حيث يقول: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بقبور بالمدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر» رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وقال أيضًا صلوات ربي وسلامه عليه: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» فالزيارة الشرعية للقبور هي الدعاء لهم والترحم عليهم، ولأجل التذكرة فقط.

القسم الثاني: الزيارة البدعية: وهي أن يزورها للقراءة عندها أو الصلاة عندها أو الذبح عندها لله وهذه بدعة.

أما القسم الثالث: فهي الزيارة البدعية الشركية: فهي زيارة غرضها التقرب من المقبور بأنواع الدعاء، والاستغاثة، والطلب، والذبح، والنذور، فهذه زيارة تُدخل صاحبها الشرك الأكبر.

والشيعة الإمامية واقعة في القسم الثالث من الزيارات من رأسها إلى أخمص قدميها، ومن هذه ذهابهم سيرًا على الأقدام في كل عام في العشرين من صفر لزيارة قبر الإمام الحسين فيتوجون إلى هذا القبر بالدعاء، والطلب، والإنابة، والاستغاثة، وطلب الشفاعة الممتنعة في الدنيا، فينحرون ويذبحون له الجزور، وينذرون له النذور، وتقبل أعتاب المرقد، ويتمسح بشبابيكه، وأبوابه، وكل ذلك شرك، أو ذريعة إليه، وهم يشرعنون لتلك الزيارة مع أنه لا أصل لها حتى في كتبهم، بناء على أمرين اثنين:

الأول: زيارة أهل البيت مع الإمام زين العابدين إلى كربلاء في العشرين من صفر، والذي يوافق حسب زعمهم أربعينية مقتل الإمام الحسين سلام الله عليه.

الثاني: مجيء جابر بن عبد الله الأنصاري قادمًا من المدينة إلى كربلاء مع عطية الكوفي، وقيل مع رجال من بني هاشم.

وهذه الزيارة وغيرها من الزيارات لا تعتمد على بيان من كتاب الله عز وجل، أو دليل من أحاديث العترة، وإنما يعتمدون كل الاعتماد على فتوى المراجع ورجال الدين، وأحيانًا كثيرة على العادة، أو العرف ليس إلا، فمجرد اشتهار قبر من القبور، ولو لم يكن له أصلًا بكرامة ما، أو معجزة معينة، فإن هذا القبر سوف يصبح محط رحال الزائرين من كل مكان، وأما المعجزة أو الكرامة، فليست بالضرورة أن يكون لها أصل صحيح، بل مجرد اشتهارها على ألسنة العوام فهذا يكون كافيًا في قبولها والعمل بما تُلزمهُ من ضرورات مذهبية، ويعتمد المراجع في شرعنة زيارة الأربعين على ثلاثة أحاديث، وردت في كتب المتأخرين دون كتب المتقدمين من محدثي الشيعة أمثال الكليني، والبرقي، والصدوق، وابن قولوية، وإنما ظهرت أول رواية في القرن الخامس الهجري على يد العلامة الشيخ الطوسي المتوفي سنة 460 هجرية في كتابه: مصباح المتهجد ص788، وتهذيب الأحكام ج6 ص52، وهي رواية بلا سند، حيث أوردها الشيخ الطوسي بصيغة روى عن الإمام أبي محمد الحسن العسكري أنّه قال: «علامات المؤمن خمس: صلاة الخمسين، وزيارة الأربعين، والتختّم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم».

وبين الشيخ الطوسي المتوفي سنة 460 هجرية وبين الإمام أبي محمد الحسن العسكري المتوفى سنة 255 هجرية أكثر من 200 عام، وبناء على ذلك فلا يصح أن نقول أن الرواية مرسلة من قبل الشيخ الطوسي حيث إنه لم يقرر علماء الطائفة قبول مراسيل الشيخ، ولا حتى منقطعة، ولا معضلة، بل إن الرواية لا تحمل أي صفة من صفات الإسناد لذلك لا يمكننا الاعتماد على هذه الرواية على الإطلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد