في سنة 17هـ/638م فتح المسلمون صُلْحًا مدينة إيلياء (القدس) التي كانت بأيدي الروم، وتولى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب عقد الصلح، وكتب لأهل إيلياء عَهْدًا من الحرية الدينية، جاء فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أَمَانًا لأنفسهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، ألا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود).

وأدركت الصلاة عمرًا في كنيسة القيامة، فعرض عليه البطريرك صفرونيوس الصلاة فيها، فرفض عمر لكيلا يأتي المسلمون من بعده فيبنون مَسْجِدًا مكانها. واتجه إلى موقع المسجد الأقصى، ثاني أقدم مسجد في العالم، وبسببه بوركت فلسطين، وكان سليمان عليه السلام جدد بناءه وأسماه (بيت الرب)، وتعرض المسجد للتدمير عبر القرون، وآخر من دمره كانوا الروم. وكان النصارى يلقون القاذورات في مكان الهيكل (بيت الرب) اِنْتِقَامًا من اليهود، وعندما وصل عمر أخذ ينظف تلك القاذورات، وينظف الصخرة التي يعظمها اليهود، بالرغم عداوة اليهود للمسلمين آنذاك.

وقد وافق عمر على شرط عدم سكنى اليهود بالقدس لأن الروم اشترطوا ذلك، وقد مضت قرون منذ طردهم اليهود وتحريمها عليهم؛ ظلوا خلالها مشتتين في أقصاء الأرض، لا تقوم لهم قائمة حتى النصف الأول من القرن العشرين؛ حيث توالت هجراتهم إلى فلسطين منذ القرن التاسع عشر الميلادي؛ بعد بروز الحركة الصهيونية التي تهدف لتأسيس دولة يهودية في فلسطين بدعوى أنها أرض آباء اليهود.

وكان أول مؤتمر للحركة في1897، بَشَّرَ فيه هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة اليهود بقيام دولة إسرائيل بعد خمسين سنة، وكان ما قال! أعلنت دولة إسرائيل على أرض فلسطين 14 مايو 1948، وتلك الدولة يريدها اليهود يهودية، وأبدية على كل فلسطين، وأورشليم (القدس) هي عاصمتها الأبدية! وذلك بعد حكم إسلامي عربي لها دام أكثر من 1300 سنة، لبست خلاله القدس حلة إسلامية عتيقة لا تخفى على الناظرين، إلى جانب المعالم المسيحية البارزة. وأهلها كانوا ولا زالوا العرب منذ أكثر من 5000 سنة.

لماذا أسس اليهود دولتهم في فلسطين وادعوا أنها لهم؟

من المعلوم أن عمر أرض كنعان (فلسطين) يبدأ منذ أكثر من 5000 سنة، وكان العرب اليبوسيون، والكنعانيون، أول من سكنها. وبنى اليبوسيون مدينة يَبُوس (القدس). وفلسطين هي الأرض المقدسة المباركة، عرف فضلها كل الأمم القديمة. وتعرضت في حقب مختلفة، لغارات أممية للسيطرة عليها. ومن الحقب التي دخل فيها إلى فلسطين غير أهلها؛ حقبة دخول بني إسرائيل سنة 1176ق.م بقيادة يوشع بن نون (يشوع)، الذي أسكن أسباط بني إسرائيل إلى جانب الفلسطينيين الذي لم يتركوا أرضهم أَبَدًا.

ثم تأسست مملكة إسرائيل الكبرى سنة 1020ق.م في عهد طالوت وداود وسليمان، وانتهت سنة 922ق.م إذ انقسمت إلى مملكتين: مملكة إسرائيل التي أسقطها الآشوريون عام 722ق.م؛ ومملكة يهوذا التي أسقطها البابليون عام 586ق.م، وسبوا أسباطها إلى بابل. وعندما أسقط الفرس بابل، أعاد إمبراطور الفرس (قورش) أسباط السبي البابلي إلى أورشليم سنة 538ق.م، فعاشوا فيها تحت حكم الفرس، ثم الإغريق، ثم الرومان. واضطهد الرومان اليهود، وطردوهم من فلسطين، وحرَّموها عليهم منذ 135م، فتشتتوا. كانت مدة الوجود اليهودي في فلسطين نحو 1300 سنة، ولأكثر من 2500 سنة انتهى حكمهم الذي دام قرابة 500 سنة.

فإذا كانت فلسطين للعرب، ودخلها بنو إسرائيل مثلهم مثل الفرس والروم واليونانيين، فحكموها ثم خرجوا، فلماذا يزعمون أنها لهم دون غيرهم؟ إن مرجع الأمر هو اعتقاد اليهود بأنهم الشعب المختار الذي أورثه الله عز وجل الأرض المقدسة إلى الأبد. هل اليهود هم شعب الله المختار الموعود بالأرض المقدسة؟

يطلق اسم اليهود في زماننا على كل من يتبع ملة موسى، سواء كان من ذرية أسباط (قبائل) بني إسرائيل الذين تشتتوا في عهد الآشوريين والبابليين ثم الرومان، أم من شعوب شتى، لا تنتسب إلى الأسباط، ولا تتحدث العبرية. ويرجع أسباط بني إسرائيل إلى يعقوب (إسرائيل) بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وقد هاجر إبراهيم إلى فلسطين، وولد له إسحاق، وولد لإسحاق يعقوب، وكان ليعقوب اثنا عشر ابْنًا. وأقام يعقوب وأبنائه في مصر حيث أصبحوا اثنتي عشرة أَسْبَاطًا.

ولما حكم فرعون مصر، كان يستضعف بني إسرائيل يُذَبِّحُ أبناءهم ويستحيي نساءهم؛ فبعث الله موسى، وأخبره أنه سينجي بني إسرائيل من فرعون إن صبروا، وسيورثهم الأرض المقدسة التي هي لله يورثها من يشاء. (قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ للمتقين).[سورة الأعراف:128]. فصبروا فنجاهم، وأورثهم الأرض المباركة: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا).[سورة الأعراف:137].

وأخبرهم موسى بأنهم أورثوا الأرض بالتزامهم وصايا الرب: (اعمل الصالح والحسن في عيني الرب؛ لكي يكون لك خير، وتدخل وتمتلك الأرض الجيدة التي حلف الرب). [التثنية18/6]. (وإن سمعت سَمعًا لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم، يجعلك الرب إلهك: مُسْتَعْلِيًا على جميع قبائل الأرض). [التثنية1/28]، وفي هذا الإصحاح (28) عددت بركات الطاعة. ثم وردت لعنات العصيان: (ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك… تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك). [15/28]. (تكون قَلِقًا في جميع ممالك الأرض). [التثنية:25/28]. (يذهب بك الرب وبملكك الذي تقيمه عليك إلى أمة لم تعرفها أنت ولا آباؤك). [التثنية36/28]. وتلك اللعنات تكون أبدية ما زالوا لا يسمعون: (وتأتي عليك جميع هذه اللعنات وتتبعك وتدركك حتى تهلك…فيكون فيك وفي نسلك إلى الأبد). [التثنية:46،45/28].

ثم يقول: (فتستأصلون من الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها. ويبددك الرب في جميع الشعوب من أقصاء الأرض إلى أقصائها). [التثنية:64،63/28]. وبالرغم من كل تلك اللعنات التي تنتزع فضل بني إسرائيل على العالمين إن لم يسمعوا؛ فإن كَثِيرًا منهم جعلوا ذلك الفضل أَبَدِيًّا بنسبهم، لا بطاعتهم! على أن التاريخ يصدق أن ذلك الفضل لم يكن إلا في عصور إيمانهم، بأمارة أنهم أصبحوا أذلة بين الشعوب عندما تمردوا. فكيف يكون الشعب المختار لنسبه في شتات وذلة كما حدث؟

دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة

خرج موسى بقومه إلى الأرض المقدسة، وأنبأه الله في التوراة أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض المقدسة. نجد بعض إشارة للنبوءة في العهد القديم، على لسان موسى: (لأني عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق الذي أوصيتكم به، ويصيبكم الشر في آخر الأيام لأنكم تعملون الشر أمام الرب حتى تغيظوه بأعمال أيديكم). [التثنية29/31]. وأشار القرآن لتلك النبوءة التوراتية في سورة بني إسرائيل (الإسراء): (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا). [الإسراء:4]. ومات موسى قبل دخول فلسطين؛ فدخلها بنو إسرائيل بقيادة يوشع بن نون (يشوع) الذي أسكن أسباط بني إسرائيل مع الفلسطينيين.

وبعد يوشع، نسي بنو إسرائيل نعم الله ووصاياه. ورد في سفر القضاة: (وقام بعدهم جيل آخر – بعد يشوع – لم يعرف الرب، ولا الذي عمل لإسرائيل، وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب.. فحمي غضب الرب على إسرائيل). [القضاة:14،11،10/2]. فسلط الله عليهم أَقْوَامًا شِدَادًا، جاسوا خلال ديارهم، ولما اشتد العذاب، تذكروا عهد الله، ونبوءة التوراة، فعادوا لربهم، وقالوا لنبي لهم ابعث مَلِكًا لنقاتل في سبيل الله، فبعث الله لهم طالوت، فهزموا الأعداء. وخلف طالوت داود، ثم سليمان. وجَدَّدَ سُلَيْمَانُ المسجد الأقصى (بيت الرب، الهيكل)، وكان ملكه عَظِيمًا، ومات سنة (922ق.م). ومن بعده انقسمت المملكة لمملكتي إسرائيل ويهوذا.

وأفسد الأسباط في المملكتين؛ فأشركوا بالله، وقتلوا فَرِيقًا من الأنبياء وكذبوا فَرِيقًا، وعملوا الفواحش ونقضوا العهد. فسلط الله على مملكة إسرائيل، الآشوريين الذين أسقطوها، وسبوا أسباطها إلى العراق. وسلط على مملكة الجنوب (يهوذا)، البابليين الذين سبوا أسباطها إلى بابل، ودمروا الهيكل وأورشليم. وعاد أسباط السبي البابلي إلى أورشليم في عهد قورش الفارسي الذي أعاد بناء أورشليم والهيكل. ولم يكن لليهود ملك في فلسطين حينها، فعاشوا تحت حكم الفرس ثم الإغريق ثم الروم.

وفي عهد الروم ولد المسيح عليه السلام، وقد أفسد اليهود، فنعى عليهم فسادهم، وأنذرهم بسبب تكذيبهم بعض الأنبياء، وقتلهم بَعْضًا، بنهاية وراثتهم الأرض المقدسة وتوكيل النبوة لغيرهم: لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره) [إنجيل متى:43/21]. ورثى المسيح أورشليم: (يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا! هوذا بيتكم يترك لكم خَرَابًا).[متى:38،37/23]. (إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض) [متى:2/24].

ولكنهم اضطهدوه، فسلط الله عليهم الرومان، فدمروا الهيكل، وطردوهم من فلسطين، وحَرَّموها عليهم، فتشتتوا في أقاصي الأرض. وفي القرن الرابع الميلادي تعرضوا في الإمبراطورية البيزنطية لاضطهاد الإمبراطور قسطنطين المسيحي، (لقتلهم المسيح) باعتقاده. وسجل إنجيل متى أن اليهود طلبوا من الوالي الروماني صلب المسيح بحجج ماكرة، فقال لهم الوالي: (إني برئ من دم هذا البار! أبصروا أنتم!) فأجاب جميع الشعب وقالوا: (دمه علينا وعلى أولادنا). [إنجيل متى:25،24/27].

الشتات والاضطهاد

منذ طرد اليهود من فلسطين، كانوا مضطهدين، خاصة من مسيحيي أوروبا. وعاشوا لعصور طويلة في بلاء وذلة في الأمم الغربية التي تقطعوا فيها؛ ومع ذلك كانوا يرون أنفسهم فوق الناس، فلم يسلم الآخرون من مكرهم، ونقضهم للعهود، وإشعالهم للحروب، فكانوا مضطهدين بسبب أفعالهم. في إسبانيا بعد سقوط الدولة الإسلامية، خيروا بين التنصر، أو الطرد، أو القتل. وتعرضوا للطرد في إنجلترا وفرنسا. وتوالت عليهم المصائب حتى القرن العشرين؛ عندما أحرق هتلر منهم فَرِيقًا.

وبينما كانت أوربا تضطهد اليهود؛ كانت كل الدول الإسلامية تصون حقوقهم وتحسن إليهم. ولم يكشف عنهم العذاب في أوروبا إلا عندما تصالحت بعض الطوائف المسيحية مع اليهود، فسعى الغرب لوقف اضطهادهم بدعمهم لاحتلال فلسطين! بوادر انتهاء أزمة اليهود في فلسطين، في القرن السادس عشر، بدت العداوة بين اليهود والنصارى وكأنها تتلاشى؛ فقد ظهر الإصلاح الديني المسيحي في أوربا، وظهر مارتن لوثر كنغ مؤسس المذهب البروتستانتي، ونشر كتابه (عيسى ولد يَهُودِيًّا) سنة 1523م، وقال: (إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، إن اليهود هم أبناء الله، ونحن الضيوف الغرباء).

ثم تغير فكره عنهم، فأصدر كتابه (فيما يتعلق باليهود وأكاذيبهم) سنة 1544م، ولكن هذا الكتاب أهمل، وأدانته الجماعات اللوثرية (المنتسبة للوثر)، وتمسكت بكتابه الأول! والعقائد البروتستانتية تؤمن بأبدية الشعب المختار، وأرضه الموعودة. أما الكنيسة الأرثوذكسية فتؤمن بأن اليهود لم يعودوا شَعْبًا مُخْتَارًا، أو ورثة للأرض المقدسة بعد قتلهم المسيح بحسب اعتقادهم. وعندما تغلغلت البروتستانتية في أوروبا، هيمن اعتقاد عودة المسيح (مخلص العالم)، المرتبطة بعودة اليهود إلى فلسطين على المجتمعات البروتستانتية، وحتى الكاثوليكية، وذلك الاعتقاد بني على نبوءات العهد القديم، التي قد تحققت قبل أكثر من ألفي سنة، حسب إيمان الأرثوذكس؛ وذلك عندما بعث المسيح بعد عودة اليهود لأورشليم من السبي البابلي. وبرز بين لوردات بريطانيا من تبنى المشروع، مَدْفُوعًا بالعقيدة البروتستانتية، وبالمصالح الاستعمارية.

وفي1881م حاول اليهود اغتيال قيصر روسيا، فساءت أمورهم، واضطروا للهجرة للولايات المتحدة وغربي أوروبا. ولما كان المهاجرون اليهود في تزايد، ولا يندمجون مع السكان، ازدادت الضغوط على قادة أوربا، فدعموا هجرة اليهود لفلسطين.

وفي القرن التاسع عشر ظهر هرتزل مؤسس الصهيونية التي تتبني مشروع الهجرة إلى فلسطين، وحاول إقناع السلطان عبد الحميد بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين وممارسة الزراعة؛ فرفض السلطان بشدة، وكتب في مذكراته سنة1311هـ/1895م: علينا أن نصرف النظر عن فكرة توطين اليهود في فلسطين، وإلا فإن اليهود إذا استوطنوا أَرْضًا تملكوا كافة قدراتها في وقت قصير. وقال: (لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية، بل يريدون أَعْمَالًا أخرى مثل تشكيل حكومة، وانتخاب ممثلين). وكانت أعداد من اليهود استقرت في فلسطين بالتلاعب أثناء زيارة الأماكن المقدسة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

الشعب المختار وأرض الميعاد

يعتقد اليهود أنهم الشعب المختار، الذي أورثه الله الأرض المقدسة إلى الأبد، والسبب نسبهم. ويعتقدون أن المسيح المنتظر سيظهر عندما يعودون لفلسطين ويحكمونها، وتصبح أورشليم (القدس) عاصمتهم، ويتم بناء الهيكل. في العصر الذي ينبذ العنصرية، لا تستقيم دعاوى اليهود بأنهم فوق الناس! والواقع يؤكد أن الله قد فضل من حفظ العهد وأصلح من نسل إبراهيم.. كما أنه عاقب من نقض العهد وأفسد، فلِمَ يُعَذِّبُ الله أبناءه وأحباءه؟ إن اليهود بَشَرٌ مِّمَّنْ خلق.

في سفر حزقيال بعد السبي البابلي كَلَام باسم الرب: (يا ابن آدم، إن الساكنين في هذه الخِرَبِ في أرض إسرائيل يتكلمون قائلين: إن إبراهيم كان وَاحِدًا وقد ورث الأرض، ونحن كثيرون، لنا أعطيت الأرض مِيرَاثًا. لذلك قل لهم: هكذا قال السيد الرب: تأكلون بالدم وترفعون أعينكم إلى أصنامكم وتسفكون الدم، أفتَرِثُونَ الأرض؟ [حزقيال:25،24/33].

وترسخت تلك العقيدة عند النصارى البروتستانت الذين دعموا اليهود حَثِيثًا. ويعتبر آرثر جيمس بلفور المسيحي البروتستانتي أبرز من تبنى مشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين. وبلفور كان وَزِيرًا لخارجية بريطانيا (1919-1916م)، شَغُوفًا بالعهد القديم، مُتَعَاطِفًا مع اليهود، وَحَرِيصًا على مصالح بلاده.

وعد بِلْفُور

أرسل بِلْفُور وزير خارجية بريطانيا، إلى اللورد روتشيلد زعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا رسالة في  2 نوفمبر 1917م، سميت (وعد بلفور). ومما جاء في ترجمة نص الرسالة: (إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية. على أن يفهم جَلِيًّا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر).

الصفقة الخاسرة.. بين وعد بريطانيا للعرب ووعدها لليهود

بعدما ضَعُفَتْ الدولة العثمانية، وعزل السلطان عبد الحميد، ظهرت النزعة الطورانية التركية التي تدعو لتتريك الشعوب غير التركية في الدولة العثمانية. ولما كان العرب من أكبر شعوب الدولة، عرضوا في 1913م على حكام الدولة العثمانية بقائهم مع وحدة الدولة، شريطة الاعتراف بحقوقهم، وإعطائهم حُكْمًا ذَاتِيًّا على الأراضي العربية. بيد أن الموازين انقلبت باندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914م. وشكلت بريطانيا مع فرنسا، وروسيا القيصرية (دول الحلفاء)، بينما حاربت الدولة العثمانية مع ألمانيا ضد الحلفاء.

وكان العرب في حاجة للاستقلال والحرية، فاستغلتهم بريطانيا؛ وعرضت عليهم الصلح، ومساندتها ضد ألمانيا وتركيا، مقابل استقلال العرب، وحريتهم، وإقامة دولة عربية على الأراضي العربية، في حال سيطرة الحلفاء على أراضي الدولة العثمانية. فوقف العرب مع الحلفاء، ويقول ليدل هارت، كبير المعلقين العسكريين في قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى: (إن القوات العربية ألهت وشغلت القوات التركية الموجودة إلى الجنوب من دمشق، وبذلك فتحت الطريق للقائد البريطاني – اللنبي – وأبادوا الجيش الرابع التركي).

وبذلك احتل اللنبي سوريا وفلسطين، ودخل القدس في ديسمبر 1917م، وأعلن الحكم العسكري في فلسطين، ومنذ ذلك الوقت وقد فتح الباب لهجرة اليهود إلى فلسطين. وقتئذ؛ كانت بريطانيا وفرنسا تحيكان في الظلام، اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم الأراضي العربية بينهما. لقد خدعت بريطانيا العرب واحتلت أراضيهم، وأوفت لليهود بـ(وعد بلفور) على أراضي العرب!

وفي 1919م وقعت اتفاقية فرساي، التي جعلت مستعمرات وأراضي الدول المنهزمة بيد الدول المنتصرة تحت اسم الانتداب. فانتدبت بريطانيا على فلسطين، وشرق الأردن والعراق، وانتدبت فرنسا على سوريا ولبنان. وعهدت بريطانيا بإدارة حكومة الانتداب في فلسطين ليهود متعصبين للصهيونية. فسنوا القوانين التي تسمح بهجرة اليهود إلى فلسطين، وامتلاكهم للأراضي. وتنبه الفلسطينيون للخطر، وقاموا بثورات طيلة الانتداب البريطاني، ولكن البريطانيين قمعوهم، في الوقت الذي حموا فيه اليهود! وبتزايد الاضطرابات، ومقاومة الفلسطينيين، تم اقتراح تقسيم فلسطين بين الفلسطينيين واليهود.

وفي 29 نوفمبر 1947 أصدرت الأمم المتحدة قرار التقسيم. وكان اليهود حتى 1918م يملكون 2% من أرض فلسطين، وتحت الانتداب البريطاني الذي سهل لليهود امتلاك الأراضي، أصبحوا يملكون5.6%. فأعطاهم القرار 56.47% من الأرض، بينما أعطى العرب أصحاب الأرض 42.88%. بينما رفض العرب القرار، قبله اليهود كخطوة نحو مشروعهم الأكبر من حدود فلسطين كاملة.. قال بن جوريون – رئيس الوكالة اليهودية آنذاك: (لم يجر النقاش حول تقسيم أرض إسرائيل (فلسطين)، إذ لا يمكن لأي صهيوني التنازل عن أصغر جزء من هذه الأرض، ولكن النقاش يدور حول طريقتين وأيهما أسرع في بلوغ الهدف).

وحدد 4 مايو 1948 مَوْعِدًا لانتهاء الانتداب، واشترطت الأمم المتحدة على اليهود الالتزام ببنود القرار، وحقوق الإنسان، ومواثيق الأمم المتحدة. وبمجرد إعلان انتهاء الانتداب، أعلنت الوكالة اليهودية دولة إسرائيل. لم تلتزم إسرائيل بشروط الأمم المتحدة ؛ فنشرت الرعب بين الفلسطينيين بالمجازر المروعة التي يغادرون على إثرها ديارهم، فتضمها إسرائيل فوق ما منحها قرار التقسيم. وفي1948 استولت إسرائيل على 13 من أحياء غربي القدس.

وحتى 1949 استولت على 78% من فلسطين. وفي 1967 استولت على شرقي القدس، وغزة، والضفة الغربية، وبذلك سيطرت على كامل فلسطين.

الوصايا العشر وإفساد إسرائيل

في التوراة، جاءت الوصايا العشر القيمة، وكانت السادسة: (لا تقتل) [التثنية:17/5]. وفي واقع إسرائيل أهملت الوصية، بل تم الترويج للقتل بإسراف عن طريق ما كتبه البعض بأيديهم، وقالوا هو من عند الله، وما هو من عند الله الذي وصاهم ألا يلفظوا باسمه باطلا.. وجاء القرآن مصدقا لوصية التوراة: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ). [سورة المائدة:32].

واليهود في فلسطين مارسوا المذابح. وتأسست في عهد الانتداب عصابات يهودية كالهاجاناه والأرجون وشتيرن والأيتسل، نشرت في الأربعينات من القرن العشرين الرعب بين الفلسطينين ففر الآلاف، وتركوا ديارهم، ليصبحوا لاجئين. واتخذت منظمة أرجون شعارها بندقية كتب تحتها (هكذا فقط)؛ أي بالبندقية فقط سنؤسس وطن اليهود.. وقال مؤسس العصابة: (هل حدث أن تخلى شعب عن أرضه بمحض إرادته؟) وفي 1948 قتلت العصابة بقيادة مناحيم بيجن 300 فلسطينِيًّا فيهم الشيوخ والنساء والأطفال والرضع في دير ياسين. فنشروا الرعب بين الفلسطينين، ففر الآلاف منهم خَوْفًا.

وكتب مناحيم بيجن في مذكراته: (لقد كان لهذه المذبحة ما يبررها، ليس هذا فحسب، بل لولا الانتصار في دير ياسين لما كان هناك ما يسمى بدولة إسرائيل). وقامت العصابات بالمجازر المشابهة، والتي تسمى عمليات حيرام (إبادة كل الفلسطينيين من أجل إرعابهم وتفريغ فلسطين منهم). وفي العصر الذي تتعالى فيه دعاوى السلام، تجد من يرى نفسه شَعْبًا مُخْتَارًا له حق إبادة غيره!

وهناك من يدَّعي محاربة الإرهاب في الوقت الذي يدعم فيه إسرائيل بزعم أنها دولة ديمقراطية تسعى للسلام في هذا الشرق الإسلامي الإرهابي البائس بزعمه! إن إسرائيل دولة تعتقد أن أنبياء وملُوكًا من بني إسرائيل قد أقاموا المذابح تَنْفِيذًا لأمر الرب لأخذ الأرض المقدسة! إنهم يقولون أن يشوع حَرَّم (أباد) كل ما في مدينة أريحا: (وحَرَّموا كل ما في المدينة من رجل وامراة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف). [يشوع:21/6].

وضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح؛ من قادش برنيع إلى غزة إلى أرض جوشن إلى جبعون، وحَرَّم كل نفس بها كما أمر الرب إله إسرائيل! فهل إسرائيل تقدس الإفساد؟

وما حروب غزة منا ببعيدة

فقد شنت إسرائيل في 2008 عُدْوَانًا على غزة استمر 23 يَوْمًا، استهدفت فيه المنازل والمساجد، والمدارس والجامعات، والمستشفيات. واستخدمت الأسلحة المحرمة دولِيًّا؛ اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض. واستشهد نحو 1500 من بينهم 412 طِفْلًا، وفقد الآلاف بيوتهم. وفي 2014 شنت على مدى 51 يَوْمًا الغارات المكثفة العشوائية على غزة، فَسَوَّت المنازل بالأرض، وأتت على عائلات بكاملها.

وبث العالم مشاهد الجثث المتحللة، والمنازل المهدمة فوق ساكنيها، و الإعدامات الجماعية، في أحياء الشجاعية وخزاعة. وبعد الحرب، أصدر المرصد الأورومتوسطي تَقْرِيرًا أظهر مقتل 1742 فلسطينيا بينهم 530 طفلا. كل يوم تهدم إسرائيل المنازل، وتعتقل الفلسطينيين، وإن قاوموها فإنها لا تأبه أن تبيد ما استطاعت إبادته! إنها دولة محتلة، تدعمها دول كبرى تحركها المصالح، وتثيرها الأساطير الدينية.

ويهود اليوم شعوب شتى، فيهم الإسرائيلي، وفيهم التركي، والحبشي، والنمساوي، وغيرهم…لا يعود جميعهم لبني إسرائيل، ولم يجمعهم إلا الدين، مثلهم مثل شعوب شتى يجمعها الإسلام أو المسيحية؛ إلا أنهم يرون أنفسهم شَعْبًا مُخْتَارًا بزعمهم، فلم يندمجوا مع مواطنيهم في أوطانهم الأصلية، وتمسك بعضهم بأحلام الأرض التي لم تكن لهم يَوْمًا، ولكن الله أورثها بني إسرائيل عندما كانوا صالحين، وانتزعها لما أفسدوا.

فكيف لجماعات عرقية لا ترجع كلها لبني إسرائيل، ولم يجمعها إلا الدين، أن يورثها الله في زماننا أرضا هي ملك لغيرها؟! لقد جاء في زبور داود أن الأرض للصالحين: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). [سورة الأنبياء:105].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

القرآن الكريم
الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس-مصر
كلام في اليهود_ محمد علي دولة، دار القلم دمشق2013
القدس والمسجد الأقصى عبر التاريخ_محمد علي البار
الرصاص المصبوب..عدوان على غزة فشل بإخضاعها
العدوان الإسرائيلي على غزة 2014
خرائط ريمكس فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد