في مقال سابق تعرّضت لقضيّة اصطحاب الآباء أولادهم للصلاة في المسجد كمحاولة طيّبة منهم لتعويدهم على صلاة الجماعة، أكّدت فيه أن الأمر ليس كما يعتقدون، وأن نتيجة عملهم قد تكون عكس نيّتهم الطّيبة، كما تناولت بالتفصيل أثر ممارستهم على الأولاد في المستقبل، وختمت المقال بوعدٍ لتقديم الحلّ والبديل التربوي، وها أنا ذا أحاول الوفاء بوعدي.

أهميّة موضوع تعويد الأبناء على الصّلاة نابعة من أهميّة موضوعين آخرين، الأوّل هو الصلاة نفسها – عمود الدين والفرق بين العبد والكفر – والثاني هو مسؤوليّة الوالدين تجاه أولادهما مصداقا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، فهذا الأمر الإلاهيّ يقتضي الوجوب، ومن جملة ما يفعله المؤمن لإنقاذ أهله من النّار تعليمهم الصّلاة.

وقبل أن أبدأ في التوجيهات العمليّة، أودّ أن أنوّه إلى أنّ المنبع الأساسيّ للأفكار التي سأوردها في هذا المقال هو تجربة المجتمع المزابي – تتساءل ما هو المجتمع المزابي؟ – المزابيّون هم عرق من الأمازيغ يتواجدون في الجزائر ويعتنقون المذهب الإباضي – وبعض البحث في قوقل لا يضر – ويتميّز أغلب أفراد هذا المجتمع بأنهم محافظون، والسبب الذي جعلني أجعل تجربة هذا المجتمع مصدرًا لأفكاري في هذا الموضوع – إضافة لكوني فردًا من هذا المجتمع – هو النتائج الباهرة التي أشاهدها عيانًا ويشهد لها باقي المجتمع الجزائريّ، خاصة في موضوعنا الحالي، إذ إن ظاهرة التهاون أو ترك الصلاة غير منتشرة بتاتًا وتبقى محصورة في نسبة قليلة من الناس، فمثلًا أنا شخصيًا لم أعرف في حياتي سوى ثلاثة أشخاص مزابيين متهاونين في أوقات الصلاة ولم أعرف أي مزابي تارك للصلاة، طبعًا لا أدعي أن مجتمعنا مجتمع مطلق الطهر والتقوى، ولكن كل ما أقوله أن تجربة المجتمع في تعليم الصلاة ناجحة، وإلى التوجيهات على بركة الله.

1  التربية الإيمانيّة

وهذه الخطوة لا بد أن تسبق كل محاولة لتعليمه الصّلاة، ذلك أنه من غير المعقول أن يقف الطفل راكعًا ساجدًا، لا يعلم من يعبد، ولماذا يصلي، لذا كان لزامًا على الوالدين تقريب مفاهيم العقيدة لذهن الطفل.

تكون التربية الإيمانيّة بتعليمه معاني العقيدة كحقيقة الله الواحد ومعنى النبوة، وحقيقة اليوم الآخر على حسب إدراك الطّفل، وتبدأ من السن الثالثة تقريبًا أي حين يبدأ في فهم ما يقال له بشكل لا بأس به، فنذكر له إذا مرض أن هناك إله رحيم قادر هو الذي شافاه، ونحذره من مغبة أفعاله السيّئة وأنها طريق النّار، ونحكي له عن الرسول النّبيء الأميّ، كل ذلك في حدود فهمه وعلى حسب إدراكه.

قال سهل بن عبد الله: كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم أحيانًا في الليل فأرى خالي محمد بن سوار يصلي. فقال لي يومًًا: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ فقال لي وأنا في تلك السن: قل بقلبك عند تقلبك في فراشك ثلاث مرات من غيـر أن تحرك به لسانك، الله معي، الله ناظري، الله شاهد عليّ. فقلت ذلك ليالي، ثم أعلمته، فتدرج بـي إلى ما هو أكثر، وقال: قل ذلك في كل ليلة سبع مرات. فقلت ذلك، ثم أعلمته، فطلب مني أن أزيد في العدد ففعلت، فوقع في قلبي حلاوة ذكر الله، فأصبحت حريصًا على تصور هذه الكلمات. فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك، ودم عليه إلى أن تُدْخَل القبـر، فإن مراقبة الله تنفعك في الدنيا والآخرة. فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لذلك حلاوة في سرّي، ثم قال لي خالي يومًا: يا سهل من كان الله معه، وناظرًا إليه، وشاهدًا عليه، أيعصيه؟ فقلت: لا. فقال: إياك والمعصية. فكنت أخلو بنفسي أتدبر تلك المعاني، فأجد في نفسي عزوفًا عن المعصية، وخوفًا كبيـرًاً من الله، والحمد لله.

ومن الوسائل المساعدة على ترسيخ العقيدة في قلوب النّشء قصّ القصص، وهنا يجدر بنا أن ننوّه إلى أن القرآن أول ما نزل كان يهيمّ بترسيخ العقيدة في نفوس الصّحابة، وقصّ قصص الأنبياء والأمم الخالية، وهذا من خصائص القرآن المكيّ، حتّى إذا تشرّبت قلوبهم معاني العقيدة ما كان لهم إلا التّسليم والطّاعة إذا قضى الله ورسوله أمرا، وهذا ما نرجوه لابنك.

2 | القدوة

قال عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بك؛ فالحسن عندهم ما صنعتَ، والقبيح عندهم ما تركتَ

 إذًا وأنت تفكّر في تربية ابنك على الصلاة، راجع نفسك وانظر تربيتك لها، فكما يقال: فاقد الشيء لا يعطيه، كما أن فعالك أبلغ من مقالك، ومن المستحسن أن يربط الوالدان حياتهما بأوقات الصلاة، فإذا اعتاد الطفل سماع أبيه يقول مثلًا: سنقلع بعد الفجر للسفر ونتوقف للاستراحة عند الظهر. ثم رأى أمه توقف أشغالها كلّما أذن المؤذن كان لذلك الأثر البالغ في نفسه، وتهيّأ للمحافظة على الصّلاة.

3 | تعويده على المسجد

للوهلة الأولى قد تعتقد أني أناقض نفسي، في المقال السابق قلت لا تصطحب ابنك للصّلاة في المسجد والآن أجعله وسيلة تربويّة لتعويده على الصّلاة!، في الحقيقة أنا لا أناقض نفسي وبالقليل من التركيز ستدرك ذلك. الأمر الذي ذممته في المقال السّابق ليس اصطحاب الطّفل للمسجد بل أن تجعله يصلّي معك في الصف وهو لا يزال صغيرًا، وقد حرصت على أن أكون دقيقًا في العنوان؛ لكيلا يفهم غير ما أرمي إليه.

في مقال معنون بـدعوا أطفالكم يلعبون في المساجد. تقول يسرا علاء:

فديننا هو دين الوسطية، كما أنه لم يرد به نصوص تمنع اصطحاب الطفل إلى المسجد، بل على العكس، فقد ورد الكثير من الأحاديث التي يُستدل منها على جواز إدخال الصبيان (الأطفال) المساجد، من ذلك ما رواه البخاري عن أبي قتادة: (خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت العاص على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها) كما روى البخاري عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأقوم في الصلاة فأريد أن أطيل فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشُق على أمه)، وكذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال: (أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم يُنكر ذلك علىّْ) . وإذا كانت هذه هي الأدلة النقلية التي تهتف بنا قائلة: دعوا أطفالكم يدخلون المسجد … فدخول أطفالنا المساجد يترتب عليه تحقيق الكثير من الأهداف الدينية والروحية والتربوية والاجتماعية إلى غير ذلك، فاهتمامنا باصطحاب الأطفال إلى المساجد ينمي لديهم شعيرة دينية هي الحرص على أداء الصلاة في جماعة، كما أنها تغرس فيهم حب بيوت الله.*


وعلى ذكر اصطحاب الأطفال للمسجد يجدر بي ذكر التجربة المزابيّة في ذلك، الحقيقة أن الظاهرة التي أشرت إليها في المقال السابق شبه منعدمة في هذا المجتمع، إلا أنه لديهم بديل لها، إذ إن الأطفال قبل سن البلوغ يخصّص لهم مكان يتلون فيه القرآن – بالرغم من تحفظي على هاته الممارسة – ويدخلون المسجد في مناسبات عدّة، ولكنهم لا يدخلون محراب الصّلاة بتاتًا إلا مرة في السنة في حفل المولد النبوي.

إذًا ما أنصح به هو أن يتعوّد الطفل على دخول المسجد بما لا يتنافى وقدسيّة المكان، ولا بأس أن تأخذه معك وقت الصّلاة وتجلسه بالخلف.

 ومن الضروري أن نفكّر جدّيّا في استحداث مرافق بالمسجد مخصّصة للأطفال، ربما يتم قص القصص عليهم فيها، أو يعلمون القرآن بطريقة مناسبة، أو يؤطّرون لممارسة بعض الأنشطة ولم لا حتى أماكن مخصصة للعب.

وفي هذا كفاية لهذا الجزء من المقال، ألتقي بكم مع الجزء الثاني بحول الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد