كاتب في عمر 21 سنة! يكتب رواية تدور أحداثها عن أب ورب أسرة متقاعد عن العمل، كان ضابطًا سابقًا تأتيه أفكار شاذة عن حب ابنته وإقامة علاقة جنسية معها! برغم سن الكاتب الصغيرة، وبرغم أنه بدأ الكتابة في خمسينيات القرن! وذلك في حد ذاته معجزة. من يستطيع أن يفعل ذلك سوى عراقي وهو فؤاد التكرلي. يكتب التكرلي رائعته (بصقة في وجه العالم) لينجح في كونه أول الكتاب العرب الذين انتهجوا وسلكو طريق الكتابة في الأدب الإيروتيكي. كتب الرواية ولم تنشر إلا بعد خمسين عامًا من تاريخ كتابتها نشرها في ألمانيا. تدور أحداث الرواية كلها في عقل أب متقاعد، ضابط سابق يحكي عن دواخله ومشاعره الداخلية والأفكار الشاذة التي ظهرت في خياله لأول مرة في حياته. روعة الرواية أنها بالكامل في عقل ونفس الأب، الحوارات قليلة جدًّا فهي تعتمد على حوار الذات (المنولوج). مكتوبة بأسلوب الأنا العليم.

تسير الرواية في 3 خطوط 

الأول: هو اتجاه إيروتيكي تأتيه تلك الأفكار أنه يحب ابنته (حبًا جنسيًّا) حب الرجل للمرأة، ثم يبدأ ينظر لها بشكل مختلف ينظر لجسدها على أنها أمرأة وهو رجل، وليست نظرة أب وابنته يتفحص جسدها يشعر تجاهها بالرغبة الجامحة ولم يكتف بذلك، بل بدأ يشعر بالرغبة تجاه بناته الأخريات (ساجدة وصبيحة) لكنه يكن الحب (لفاطمة) بشكل أكبر. تحدث فرويد عن عقدة أوديب وعقدة الكترا وهي مشاكل نفسية قد تجعل الابن يحمل مشاعر حب جنسي تجاه الأم وأحيانًا البنت تجاه الأب، ولكن هنا التكرلي يكتب عن حالة مختلفة حب الأب لبناته حالة نفسية جديدة اخترعها التكرلي. تسير الأحداث ويبدأ الأب في صداقة بناته يخرج معهن ويحاول جعل نفسه صديق ابنته ليتقرب منها.

الثاني: اتجاه تحطيم قيود المجتمع، يشعر الأب أن ما فات من حياته كلها لم يعشه كما يحب، لم يفعل ما يشاء، فعل فقط ما أراده المجتمع فرأى أنه يجب عليه الآن أن يحطم تللك القيود ويرفض المجتمع تمامًا ويفعل ما يشاء.

خطر لي فجأة أن الغالبية الساحقة من البشر لا يحيون كل حياتهم، بل إنهم يتركونها تنفلت من بين أصابعهم كالرمل الناعم، فلا يحظون إلا بجزء يسير جدًّا منها غير أن سوء الحظ حقًّا هو الذي أدى بعد ذلك أن يكون هؤلاء الأكثرية الأغبياء جميع المجتمعات البشرية التي يعرفها التاريخ، فيفرضون عليها قيمهم المتفسخة في الحياة والدين والاجتماع ويحطمون من يحاول الخروج عنها تحطيمًا تامًّا لا رحمة فيه ولا شفقة لأنهم يعلمون أن في الرحمة هذه والشفقة موتهم الأكيد.

مبدأ اللذة والنظرة والمادية للحياة: يستمر الكاتب في عرض فلسفات مختلفة من خلال شخصية الأب، فنجد هنا أن الأب تحول لكائن مادي بحت وصل إلى الجنون بالمادة، إنه بدأ الأمر بالإعجاب ببناته ثم فحص أجسادهن ثم تمنى إقامة علاقة جنسية مع فاطمة تحديدًا الآن يرى أن:

الحياة خلقت من أجل اللذة وتحديدًا الجنسية، وأنها هي الحياة ولا شيء غيرها.

هناك نواة هي التي تجتمع حولها كل حياتنا منذ تكوننا أجنة حتى لفظنا النفس الأخير وتلك هي اللذة.

سألت نفسي وأنا جالس يومًا في مقهى فتاح وأمامي سيل زاخر من البشر، ما سبب وجود كل هؤلاء؟ ولم أتردد برهة. إنهم نتيجة عملية واحدة عملية الاتصال بين الرجل والمرأة.

فالحياة إذن ذات أساس مكين من اللذة الجنسية التي يجدها الطرفان في اتصالهما، وكل اللذات بعد ذلك مضاعافات أو مجزئات لهذة اللذة الرائعة.

الثالث: اتجاه وجودي، يصل الكاتب بالشخصة هنا إلى أقصى درجات الفلسفة والعبث والشهوة، يصل الأب هنا إلى مرحلة جديدة، يفكر في أنه لا يوجد إله في الكون، بل وإنه هو الإله والشهوة هي نفسها تستحق أن تكون إلهًا يعبد، وهنا مرحلة تجمع بين العبثية الشديدة والحيرة.

الوجودية

هل انتهى أي شيء أيها البشر الأراذل أيتها المخلوقات الغبية؟ كلا فما دمتم على الأرض وما دامت السماء فارغة فلن يحدث ما فيه الحياة.

إني أخاف أحيانًا، أخاف أن نبشت قيعان نفسي المظلمة أن أجد الله فإذا بكياني كله زيف وفراغ وأخاف ألا أجد شيئًا فلا يبقى أمامي غير الانتحار.

الوجود كله يبدو نتيجة وغاية وليس له طريق يسلكها إلى شيء آخر بعيد كما يتصور

فلسفة نيتشه الإنسان الأعلى وفلسفة الهدم عند فؤاد التكرلي:

تتلخص فلسفة الإنسان الأعلى عند نيتشه في أن الإنسان إذا أراد أن يرتقي ويتطور ويصبح كيانًا، يجب أن يتخلص ويحطم كل الأديان والأخلاق والتقاليد، ونجد فؤاد التكرلي يطبق ذلك على شخصية الأب هنا، فالأب يبدأ هنا برفض المجتمع ويرى أنه ظلم نفسه ثم يرى أنه على حق وحر تمامًا في عمل علاقة مع ابنته وأن على الإنسان فعل ما يشاء ثم يرى أن الكون بلا إله وأنه هو نفسه إله.

يجب أن ننظر إلى تقاليدنا وعاداتنا الموروثة والقديمة منها خاصة نظرة جديدة. فنرمي منها ما يناقض مبدأ الحياة ونتشبث بما يؤيده ويدعو إليه منها حتى لو أدت بنا هذه النظرة الجديدة إلى أن نسحق كل التقاليد والعادات ونحطم كافة الأديان والمعتقدات.

ما أجمل ذلك الإحساس بالانطلاق الذي شعرت به يسري في دمائي بعد أن انتهيت من طرد آبائي وأجدادي من حظيرة نفسي التي سكنوها سنوات طوال.

في النهاية بعد ما تخلص الأب من كل القيود، الدين والأخلاق والتقاليد وأصبح ينظر لنفسه كإله ولا يرى غير الشهوة، حاول إقناع ابنته بعمل العلاقة الجنسية معها فرفضت فقام بقتلها.

من يعلم لماذا أصبحت فاضلة تخشى الله؟ حتى أنا لا أعلم أنا عبدها.

رواية عبثية إلى حد كبير تناقش قضايا فلسفية عبقرية من كاتب كان صغير السن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد