يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن الجيل الجديد من الفلاسفة قد ابتعد كثيرا عن الجيل الذي سبقه كسارتر وميرلوبنتي، الذي شكل قانونهم في التفكير ونموذجهم في التصور واكتشفو لأنفسهم شغفًا جديدًا وهو النسق.

وتتمحور فلسفة سارتر حول وجود معنى لكل شيء، وهذا التعبير ظل ملتبس لديه لان القول بوجود معنى هو إثباث أمر أن يكون ثمة معنى، وهو نتيجة لفك رموز لقراءة معينة، إذًا فنحن بالنسبة لسارتر قراء المعنى وكُتابه نكشفه ونخضع له.

فوكو توقف عن الإيمان بالمعنى، ويرى أنه مجرد نتيجة لقراءة سطحية، وأن ما يوجد في أعماقنا ويخترقنا هو النسق الذي عرفه بأنه مجموعة من العلاقات التي تثبت وتتغير في استقلال عن الأشياء التي تربط بينها.

بعد دخول الإنسان مرحلة اكتشاف الإله تغير نمط تصوره على نحو لا يقل اختلافًا عما كان عليه في القرن 17، حيث كان يوضع الإنسان محل الإله، بل وضع فكر محله وهو النسق، الذي يتغير مع العصور والمجتمعات ويحكم الطريقة التي يفكر بها الناس ويكتبون ويتكلمون، هذا النسق موجود داخل فكر قاهر ينتمي لعصر معين ولفئة معينة ومهمة الفلسفة الحالية أن تكشف هذا الفكر لأنه الأساس الذي ينبع منه الفكر الحر.

كما أن هذا النسق الذي يغلب عليه طابع التعدد ويظهر في ميدان الأسطورة، قد تغلب على النشاط الفلسفي وأدى إلى إيقاف الترويج لنصوص فلسفية من قبيل إعطاء الحياة والموت معنى، ومعنى الحياة الجنسية وما تكون الحرية، وما ينبغي عمله في الحياة السياسية وكيف نتصرف مع الآخرين.

لكن مع اتخاذ الإنسان موضوعا للمعرفة في القرن 19، واختراع العلوم الإنسانية كان الناس يحلمون ويأملون بالأسطورة التي تؤسس للنسق، وكان هناك سعي لتشكيل معرفة الإنسان بحيثة يتحرر من كل المحددات التي لم يكن متحكمًا فيها ويصبح سيدًا لنفسه وملِكها، وما حصل هو أنه بقدر ما اتسعت الأبحاث حول الإنسان باعتباره موضوعًا ممكنًا للمعرفة لم يتم العثور أبدًا على هذا الإنسان الشهير، أو هذه الطبيعة البشرية، أو هذه الماهية الإنسانية خاصة بعد تحليل ظواهر الجنون أو العصاب التي أدت إلى اكتشاف اللاوعي الذي تخترقه الدوافع والغرائز؛ حيث غيرت تمامًا نظرة الناس عن الماهية الإنسانية أو الحرية الانسانية أو الوجود الإنساني.

حيث إن إنسان القرن التاسع عشر هو الإله متجسدًا في الإنسانية، لقد حصل تأليه الإنسان، وإذا كان نيتشه هو الذي أشهر موت الإله، فإنه هو الذي أشهر في الوقت ذاته، ذلك الإنسان المؤله الذي لم يكف إنسان القرن 19 عن الحلم به قط، وعندما يبشر نيتشه بمقدم الإنسان الأعلى، فإن ما يبشر به ليس مقدم إنسان أشبه بالإله منه بالإنسان، وإنما مقدم إنسان لا علاقة له ألبتة بذلك الإله الذي ما زال يحمل صورته.

يتحدد عمل فوكو في الكشف داخل تاريخ العلم وتاريخ الحضارة والمعرفة الإنسانية عن شيء ما يكون بمثابة اللاوعي، حيث يعتبر العقل الإنساني ليس هو المتحكم في قوانين تاريخه، وتحت ما يعرفه العلم عن نفسه يرقد شيء لا يعرفه. لذلك حاول فوكو الكشف عن ميدان مستقل ذاتيًا، قد يكون ميدان لا وعي العلم، أو لا وعي المعرفة الذي قد يملك قواعده الخاصة مثلما يملك لا وعي الفرد البشري بدوره قواعده وتحديداته.

عن الجنس يقول فوكو إنه ذلك المكان الذي تنعقد فيه حقيقة الذات الإنسانية في نفس الوقت الذي تنعقد فيه صيرورة نوعنا.

لم تكن الحياة الجنسية محط اهتمام الإغريق أكثر من الغذاء أو النظام الغذائي، وكان الغذاء في العهد المسيحي لا يزال يحظى بأهمية كبيرة بعد ذلك حصل تحول بطيء في العصور الوسطى حيث صارت المسألتان، الغداء، والحياة الجنسية، في وضعية متوازنة بعض الشيء، لكن بعد القرن السابع عشر تغلبت الحياة الجنسية على الغذاء، بل أصبح الغذاء تعبيرًا عن الشهوة.

عمل فوكو على إشكالية (كيف يصبح النشاط الجنسي مشكلة أخلاقية)، وما آثار انتباهه هو أن الناس في أخلاق الإغريق كانو يهتمون بسلوكاتهم الأخلاقية، بفلسفة أخلاقهم وعلاقتهم بذواتهم والآخرين أكثر من اهتمامهم بالمشاكل الدينية، فالأسئلة التي من قبيل ماذا يحصل بعد الموت؟ ما هي الآلهة؟ هل تتدخل في الوجود أم لا؟ كلها تافهة في نظرهم، ولا علاقة لها بالأخلاق والسلوك الأخلاقي، ولم تكن هذة الأخلاق مرتبطة بأي نظام مؤسساتي أو اجتماعي أو نظام شرعي، لذلك فالقوانين الرادعة للسلوكات الجنسية السيئة مثلًا، كانت نادرة جدًا، وكان ما يشغلهم هو تأسيس نوع من الأخلاق كانت بمثابة علم جمال الوجود.

هذا بالإضافة إلى قاعدة كانت محط اهتمام الإغريق منذ القرن الرابع قبل الميلاد تسمى الانشغال بالذات، ويتعلق الأمر بمصطلح (الهيبومنيناتا)، وهي كتب وسجلات عمومية وكراسات شخصية تصلح لأخذ بعض النقاط، وقد كان استعمالها ككتب حياة أو دلائل سلوك، يبدو سائدًا على الأقل لدى جمهور متعلم معين. في هذه الكراسات كانت تسجل استشهادات ومقتطفات من الكتب وأمثلة مستخلصة من حياة بعض الشخصيات المعروفة ونوادر وأقوال مأثورة وأفكار واستدلالات، لقد كانت تشكل ذاكرة مادية للأشياء، ومنزلًا مراكمًا من أجل إعادة القراءة أو التأمل اللاحق، عادة كان الهدف الأسمى من الهيبومنيناتا هو الانطواء على الذات والحياة الداخلية والاستقلال، وبالتالي تذوق الذات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد