ظروف نخالها ملتبسة، وتحديات نراها متشابكة ومركبة، تلك التي تقاسيها أمتنا وبلدنا، وهي ربما كانت كذلك وربما لا ولكن الثابت الوحيد في هذا الأمر أننا استخلفنا على دولة كبرى، ومدينة عل التل طالما نهضت لمسؤولياتها وهن ثقال جسام كما مصالحها وهى تضارعها حجما وكلفة تعوزها قيادة صالحة واعية وشجاعة تدرك مفهوم المصلحة، والتي حيثما وجدت فثم شرع الله ترعى خطة واضحة الخطوات والأهداف.

ليس يشغلني كثيرا الوضع الخطر الذي آلت إليه الأمور في الداخل والخارج، ولا كيف ومتى صرنا ها هنا، أو بطريقة أخرى كيف صارت المدينة الأمينة عاهرة، بل حتى لم أعد أحس بهذا الشبق نحو تحليل الشخصية المصرية وعقلها الجمعي، فشعب الله قد زنى بعشاق كثيرين، وتفكيك تلك المسألة أعقد كثيرا أن يبلغ الرامي ما رمى منها لكن وفقط أجدني مهموما بالدفع نحو جادة أحسبها للخلاص علامتها دلائل أعملت فيها الحلم والروية ومآلها ينبئ عنه أولها وأهلها قوم آل زلفى ديدنهم قول من قال “العقل فكاك الأسير”.

كان واصل بن عطاء تلميذا للحسن البصري وخالفه على مسائل، منها حكمه في مرتكب الكبيرة، وتأويل الصفات، وكذا قوله باختيار الإنسان في كل أفعاله، إلا أن أصل خلافهم كان حول قول بن عطاء بمسألة في الأصول مفادها أن الحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل، فخالف بن عطاء عن مجلس الحسن البصري، فقال الحسن اعتزلنا واصل؛ فسمي ومن تابعه بالمعتزلة.

“خاصم يارب مخاصمي وحارب الذين يحاربونني … ليكن طريقهم ظلاما وزلقا وملاك الرب طاردهم “بهذه الكلمات من المزمور الخامس والثلاثين قاد الأسقفي الإنجليكى يعقوب دويتشى الصلاة في اجتماع الكونجرس القاري الأول للولايات المتحدة في أيلول / سبتمبر 1774م وعندما كانت الحرب مع إنجلترا وشيكة، ورغم أنه لم يكن بيوريتانيا إلا أن سام آدمز مندوب نيوانجلند اقترحه لقيادة الصلاة، بينما جورج واشنطون مندوب فرجينيا شوهد راكعا.

كان الآباء المؤسسون في الولايات المتحدة أصحاب مبادئ سامية ومتدينون بلا شك، ولكنهم سياسيون أيضا وهي تتطلب حلولا وسطا، ولذا كانت توجههم الأهداف وعمليين للغاية فجورج واشنطون قائد جيش الثورة لعدة سنوات وأول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية كان ربوبيا ولم يلاحظ أنه منتظم في الذهاب إلى الكنيسة – أقل من 10 مرات في العام – ورغم هذا قد أيد وجود دين رسمي وكنيسة مؤسسة في فرجينيا قبل الاستقلال أما عن جون آدمز الرئيس الثاني للولايات المتحدة فقد كان من الموحدين.

واعتبر أن الأهم هو دعم الدين للسلوك الأخلاقي وقال إن مزايا الدين المسيحي العظيمة تتمثل في قدرته على توصيل مبدأ قانون الطبيعة والأمم إلى الجميع “أن أحب لجارك كما تحب لنفسك” ومثله كان توماس جيفرسون واضع إعلان الاستقلال والرئيس الثالث للولايات المتحدة فقد كان ربوبيا ونسب إلى المسيح جميع الفضائل الإنسانية ورفض ألوهيته وعارض رجال الدين ومؤسساته الذين حرفوا تعاليم المسيح وهو الذي صك مصطلح “حائط فاصل بين الدولة والكنيسة” في الدستور إلا أنه أيد الدين كداعم للمجتمع والمواطنة واهتم بالأفعال وليس الأقوال.

وأنا وأحسبني قد بان مني ما قصدت إليه من وجوب الاحتكام إلى العقل، والارتكان إلى سياسات واعية تنتجها مؤسسات فاعلة، في إطار رؤية شاملة وإدارة قادرة يدعمها منظومة أخلاقية للمجتمع، مع اهتمام واع بشؤون الدنيا وكيفية مواجهة التحديات وتطوير النفس، لن يخرج محل تعليقي هنا عن قضيتين:

الأولى: قضية تجديد الخطاب الديني وإصلاح المؤسسات الدعوية، وأرى أنها من أبرز الإشكاليات المطروحة على جدول أعمال أي حكومة مصرية ذات رؤية ومشروع وتبغي الوصول لثمة أهداف باعتبارها محفزا رئيسا ودافعا للتنمية والاستقرار وبالعكس، فإن انعدام الرؤية والعشوائية والتشدد إما بالإفراط أو التفريط كان له نتائج كارثية.

وأثبت على الدوام أنه قوة مدمرة باتجاه الدولة والمجتمع، إلا أنه ولسوء الحظ أن الدولة تعاملت مع مسألة شائكة كهذه بمنتهى الخسة – حين طالبت بأطروحات دينية تجديدية ومقاربات شرعية مختلفة لتضحي بأصحابها لاحقا وتتركهم لمواجهة مصيرهم – والاستخفاف حين فتحت الباب لتناول الموضوع إعلاميا وشعبيا بشكل استهلاكي وفج لتضيف إليها لاحقا صفة الغرض بتحالف صريح ومكشوف مع كل القوى السلفية الأرثوذكسية وهى المقصودة أصلا من تحرك كهذا، وبغطاء ومباركة من التحالف البابوي الأسقفي الطيب – تواضروس وتمكينهم من منصات الدعاية وأدوات الحشد والانتشار في الإعلام ودور العبادة والفضاءات العامة، ولتنظيم هذا الجهد فقد شكلت الدولة لجنة للإشراف على العملية تضم في عضويتها 3 من أعضاء جماعة الإخوان الإرهابية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد