هناك نكتة قديمة شهيرة منذ عهد “مبارك” لا أتذكرها بدقة، ولكنها بشكل عام تحكي التالي:

كان مبارك في فترة من الفترات قد لاحظ أن الشعب المصري أصبح خانعا ذليلا أكثر من اللازم، لا يرفض طلبا له ولا يثور على أي شيء سواء كان الأمر بسيطًا أم عظيمًا، فأصابه القلق من هذا الصمت المريب للشعب، فسأل أحد مستشاريه حول هذا الأمر، فأقترح عليه أن يصدروا قرارًا يستفز الشعب، وكان القرار هو فرض ضريبة يومية على كل مواطن قدرها 50 قرشًا، بالفعل صدر القرار، ودفع كل مواطن الـ50 قرشًا دون اعتراض، فزاد قلق مبارك، فأشار عليه المستشار بزيادة الضريبة لجنيه يوميًا، فاستجاب أيضا المواطنون دون اعتراض، وهنا اقترح المستشار أن كل مواطن عليه أن يدفع يوميا جنيهًا ثم يُضرب على قفاه.

أخيرا جاء رد الفعل المنتظر، أبلغت الأجهزة الأمنية الرئيس بأن أحد المواطنين قد اعترض في الشارع على هذا القرار، فطلب مبارك فورا أن يأتوه بهذا المواطن، وعندما جاء له المواطن سأله مبارك عن سبب الاعتراض فقال:

“يا ريس اللي بيحصل ده مش معقول، أنا كنت واقف في طابور طويل مستني دوري وكنت متأخر على الشغل فأتعصبت وقلت للظابظ: “حرام عليكم، عاوز أخلص وأدفع الجنيه وأتضرب على قفايا وأمشي عشان ألحق شغلي “. (تمت)

وكحال أي نكتة سياسية، تستطيع أن تُبدل الأسماء وتضع اسم الحاكم الجديد، وستجد النكتة لم تفقد أي شيء من طرافتها.

***
ربما هذه النكتة ساخرة وغير واقعية، ولكن بمزيد من التدقيق ستجد أن لها صدى في واقعنا، النكتة من وجهة نظري تقول لنا ببساطة أن المواطن من كثرة تعرضه للإهانات الكبرى أصبح يقبل الإهانات الصغرى، فلنقم مثلا باستبدال اسم مبارك باسم رئيسنا الحالي، فهل تظن أنك إن تدفع جنيهًا يوميا وتُضرب على قفاك الآن هو شيء من الإهانة؟

إذن فحاول معي أن تتخيل مدى الإهانة الحقيقية التي يعيش فيها الشعب المصري حاليا، إهانة على كل المستويات.

إهانة للعقل، فيخبرونك أمس أننا نحارب الدولة الفلانية، ثم تصحو في اليوم التالي لتجدنا حلفاء لتلك الدولة في حرب لا علاقة لنا بها.

تُذاع تسريبات تفضح رئيس الجمهورية وحاشيته وتؤكد أنهم عصابة تحكم هذا البلد، فيخبرك الإعلام أن كل هذا ملفق وأنه بتدبير مخابراتي وضمن حروب الجيل الرابع والخامس.

يطالبونك بالثورة على رئيس يقطع الكهرباء ويعجز عن وقف بناء سد النهضة في إثيوبيا، ويطالبونك بدعم إلهي لرئيس يقطع الكهرباء ويبارك بناء سد النهضة في إثيوبيا.

يبيعون لك الإنجازات الوهمية بتحويل الإيدز لكفتة ويتهمونك بالعمالة والجهل إن اعترضت، وحين ثبوت فشل الإنجاز يصبح الخبر كأن لم يكن.

لا داعي لذكر إهانة الجسد والحياة البشرية بآلاف القتلى وسلخانات التعذيب والمعتقلات، لا داعي لذكر إهانة الحقوق القانونية والدستورية للمواطنين.

بعد كل هذه الإهانات التي يتراكم بعضها فوق بعض لا عجب أن يقبل المصريون الكثير من الإهانات اليومية الصغيرة التي تشبه الإهانة التي ذُكرت في النكتة أول المقال.

هناك إهانة صغيرة بسيطة ولكنها تعبر عن نمط الإهانات الصغيرة التي أتحدث عنها، وهي أن يقبل مثلا ركاب الميكروباص (خاصة الميكروباصات عتيقة الطراز ) أن يركب في الكنبة الخلفية 4 أشخاص رغم ضيقها الشديد وعدم آدمية الركوب فيها، وكل هذا لأن السائق يريد أن يزيد حصيلة الأجرة، وتصبح كل مشكلة الركاب في الصراع على من سيء الحظ الذي سيركب في الخلف، فيتبارى كل شخص في شرح الأسباب التي تجعله غير مؤهل للركوب في الكنبة الخلفية، فالحاجّة رجلها تؤلمها، والحاج قد خرج لتوه من عملية في كبده، والأستاذ نازل قريب، والمدام معها طفل رضيع، ونتناسى تماما حقنا في أن نركب بطريقة آدمية كبشر، لسنا مضطرين لأن نفعل هذا، ولسنا عبيدًا لسائق الميكروباص. ولكن هل هذا شيء مقارنة بما سبق ذكره من إهانات؟

تلك الإهانة الصغيرة غير المرئية لكثيرين في حياتنا ستجد المزيد منها في كل مكان:

فتقبل بعض السيدات ركوب الرجال لعربات المترو المخصصة لهن، لا عجب أن تعترض على أي امرأة من بني جنسها ترفض هذا الفعل وتدافع هي عن الرجل، تهين نفسها وتهين بنات جنسها.

ويدافع المجتمع بما فيهم السيدات عن المتحرش بحجة أن الفتاة ترتدي ملابس غير لائقة، ونقبل الإهانة عند ذهابنا للمصالح الحكومية وتحكم الموظفين فينا كأنهم يؤدون لنا جميلا من عندهم لا عملهم الذي يتقاضون عليه أجرًا، ونقبل أيضا بنفس راضية أن ندفع الرشوة لإنجاز مهامنا ونعتبر أنفسنا أذكياء و”فهلويين” لاستخدامنا ذلك الأسلوب.

والقائمة طويلة. انظر حولك وتأمل تفاصيل حياتك اليومية، ستعجب من كم الإهانات الصغيرة التي تُعاني منها يوميا، وكيف صار بك الحال كمواطن مصري أن تقبل أن تعيش بطريقة غير آدمية على كافة الأصعدة، في الشارع والبيت، عند الأكل وعند الشرب، في التعليم والصحة والمواصلات، في كل تفاصيل حياتك ستجد الإهانة ضيفًا ثقيلًا يلازمك كظلك.

ليس هذا المقال بدعوة للثورة، فكاتبه يائس منها على المدى القريب، إنما هو دعوة للتأمل في حياتنا اليومية. سيدي القارئ، راقب تفاصيل الحياة الصغيرة، اكتشف الإهانات الصغيرة التي تتعرض لها يوميًا، إن لم تستطع أن تقاوم الإهانات الكبرى، فلتقاوم الإهانات الصغرى. وهذا أضعف الإيمان. جرب مثلا أن ترفض الركوب كشخص رابع في الكنبة الخلفية للميكروباص، توقفي مثلا عن الدفاع عن رجل ركب عربة المترو وانضمي لقريناتك اللواتي يهاجمن هذا الكائن السمج، كما ترون إنها أشياء بسيطة تافهة، ولكن إن كنتم ترون تلك الأشياء صعبة، فلا قيمة لأي شيء يُقال عن الإهانة.

***
أقوال مأثورة:
الشعب المصري لم يجد من يرفق به أو يحنو عليه -رئيس مصر الحنون: “عبد الفتاح السيسي”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد