تتعرض الأمم لأزمات ومشاكل كبيرة في مجالات عديدة، وتمر على كل أمة مرحلة من النزول والصعود مثل حركة الأسهم في البورصات، فلو تتبعنا صعود ونزول الأمة الإسلامية، فبعد بعثة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم صعدت الأمة الإسلامية صعودًا سريعًا، ثم في زمن الخلفاء الراشدين، ثم مر على أمة الإسلام قليل من النزول لكنها بعد ذلك استمرت في الصعود في زمن الأمويين والعباسيين، وكيف أن الأمة الإسلامية هزمت أقوى قوتين في تلك الحقبة: الفرس، والروم, وأصبحت الأمة الإسلامية في أعز قوتها، ثم مر عليها مرحلة من النزول بعد سقوط الخلافة العباسية على يد التتار، وبعدها مر عليها مرحلة صعود مرة أخرى بقيام الخلافة العثمانية، واستمرت عقودًا طويلة إلى إلغاء الخلافة العثمانية، بدأنا في النزول إلى أن وصلنا إلى القاع عندما خسرنا القدس عام 1967، وبعدها بدأنا مرة أخرى في الصعود التدريجي، فلو تأملنا في مشكلات حضارتنا لوجدنا أن هناك أربع مشكلات رئيسية تعصف بأمتنا هذه الفترة. لو استطعنا أن نحلها لنهضنا من جديد.

  • الأزمة الأولى.. أزمة تخلف: نحن نعيش أزمة تخلف مريرة في كل شيء، فما عدنا نقود الأمم. ولا يوجد عندنا مقومات قيادة الأمم. مع وجود المنهج الصافي المتمثل في القرآن الكريم والسنة! لكن المشكلة من الذي يطبقها؟ الذي لا يفهمها! عندها يصدق فينا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما كان جالسًا بين أصحابه، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس، حتى لا يقدرون منه على شيء فقال: زياد بن لبيد: يا رسول الله، كيف يختلس منا، وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنُقرأنه أبناءنا ونساءنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فما تغني عنهم؟
  • الأزمة الثانية: أزمة الفاعلية «الإنتاجية ضعيفة» حقيقة مهمة وهي أن هذه الأمة خلقت لتبقى. ما خلقت لتؤدي دورًا وتنتهي مثل ما هو الحال بالنسبة للأمم الأخرى لم نعد نشعر بـ «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، هذه الخيرية الذي سطرها ربعي بن عامر عندما قال: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وقضية الإنتاجية ليست في عدد أو كثرة فأمة الإسلام الآن ما يقارب المليار والنصف. إنما عمل وإصرار، التفاعل مع الناس، خدمة المسكين الذي لا يجد من يساعده أو ينصره، أمة تحلل فلا تجعل المصيبة تحلق فوق أرضهم إلا ويحللون الأسباب والمقتضيات اللازمة للنهوض من الأزمة، أزمتنا تنبع من التأثير والتشكيل في عقول الناس. وتشكيل القيم الفاسدة واستبدالها بالأفضل. نحن نملك مقومات التأثير، العدد والمنهج والفطرة ولكننا غثاء كغثاء السيل وأصبحنا ننقل أمراضنا إلى غيرنا».
  • الأزمة الثالثة الفكر والهوية، الفكر الإسلامي المعاصر تتجاذبه الآن أنواع متعددة من الانتماء، فلم يعد فكرنا وهويتنا إسلامية، وأيضًا لم يعد فكرنا وهويتنا غربية، نحن في مرحلة ضياع الفكر والهوية الإسلامية.
  • الأزمة الرابعة أزمة القيادة، من الأزمات التي تمر بها كل الجوانب السياسية، والعسكرية، والتعليم، والصحة بشكل عام هي أزمة ضعف أداء القائد، حيث إن أعراض هذه الأزمة وآثارها منعكسة على كل المستويات. لذا فإن مستقبل النهوض بالأمة. يعتمد على نوعية الإنسان القائد. الذي تعده لمؤسسات القيادية مما يعني أنه لا بديل عن الاهتمام بها، أو ضرورة الإنفاق عليها بسخاء. إننا نعتقد أن هناك حقيقة أساسية غائبة عن أذهان الكثيرين منا، وهي أننا نستطيع أن نوجد مجتمعًا أقوى من مجموع أفراده، وذلك بالبدء على الصعيد الشخصي، وما لم نفعل فإن الغد لن يكون أفضل من اليوم. نحن أمة الإسلام نحمل الإجابة على كل الأسئلة التي حيرت العالم بأكمله، وذلك من خلال تعلم القيادة، بإمكان كل واحد منا أن يصبح رائدًا من رواد هذه الأمة، إذا ما تحلى بشيء من هذه المعاني النبيلة عندنا، وهو اسمه انتظار البطل، أو الفرج دون أن نعمل شيئًا، فالناس تنتظر الشخص الذي به تناط الآمال لإخراج الأمة الإسلامية من التيه، وتبين هذا في ثورات الربيع العربي بشكل واضح، ونسينا أو تناسينا أن بإمكاننا أن نكون أبطالًا، فنحن بقية الخير في هذه الحياة، نحن صناع المجد ورواده، ونحن الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، فالقيادة كما عرفها الدكتور الفاضل طارق السويدان «هي عملية تحريك الناس نحو الهدف»، لهذا عندما سأل الدكتور عن حال الكثير من شبابنا الذي يتبعون الموضات أو مشاهدات البرامج التي لا فائدة منها، أجاب أن هؤلاء لا يهمونه، بل يهمه فقط 2% من الشباب ذي الهمم العالية، يستطيعون تغيير حال الأمة، لهذا هل يستطيع الشخص اكتساب القيادة من 96 – 98% يستطيعون اكتساب مهارة القيادة لو جربوا وبذلوا جهدًا في تعلم القيادة، لذا يجب أن نفك بعض الارتباط التي ما زال البعض يمارسها عند تعيين قائدًا في كل المجالات التي ذكرنا، ويجب أن نحذفها من مسألة التعيين سواءً في الدعوة أو المؤسسات أو الوزارات، ومن الارتباطات.

لا ارتباط بين القيادة والأقدمية: فكما رأينا في حياة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم توليه لخالد بن الوليد لقيادة الجيش الإسلامية، وهو لم يمض على إسلامه إلا بعضة أشهر، بينما أبو ذر كان من أوائل المسلمين، وكان من أصدق الناس لكنه لا يصلح للقيادة، ولا يستطيع تعلمها لأنه لو كان يستطيع لعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لكنه قال له المصطفى عندما جاء أبو ذر رضي الله عنه يطلب قال: «يا رسول الله ألا تستعملني؟ معنى الاستعمال هنا أن يجعله عاملًا، حاكمًا، رجل مسؤولية قال: فضرب بيده تحببًا ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها».

لا ارتباط بين القيادة والعلم: فأبو ذر رضي الله عنه كان من أفضل الصحابة وأوسعهم علمًا.

لا ارتباط بين التقوى والقيادة: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال لأهل مشورته -حين أتعبه أهل الكوفة الذين كلما أرسل لهم واليًا كرهوه-: «ما تقولون في تولية ضعيف مسلم أو قوي فاجر؟ فقال له المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: المسلم الضعيف إسلامه له، وضعفه عليك وعلى رعيتك، وأما القوي الفاجر ففجوره عليه وقوته لك ولرعيتك». وعندما سئل أيضًا الإمام أحمد بن حنبل: «مَن نولِّي قيادة جيوشنا: الكفء الفاجر، أم الضعيف التقي؟ قال: أما الكفء الفاجر؛ فخيره للأمة وفُجره لنفسه، وأما الضعيف التقي فخيره لنفسه وضعفه ضرر على الأمة».

لا ارتباط بين السن والقيادة: أسامة بن زيد ولاه النبي قيادة جيش المسلمين في غزو الروم وهو صغير السن. وقد اعترض بعض الصحابة على استعمال هذا الغلام على المهاجرين الأولين، ولما علم رسول الله بذلك، غضب غضبًا شديدًا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، يا أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ والله لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وايم الله إن كان للإمارة لخليقًا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ، وإنهما لمخيلان لكل خير، فاستوصوا به خيرًا؛ فإنه من خياركم».

باختصار بدون القيادة لن نستطيع عمل تغيير جذري، فلو تأملنا بعمق في النجاحات التي حققتها ماليزيا وتركيا، والإخفاقات التي وقعت في بعض دول الربيع العربي، لتجلت لدينا بوضوح أهمية إيجاد القيادات وتدريبهم، ونأمل في عمل مراجعات على مستوى الجماعات أو المؤسسات لترك مساحة للشباب للعمل والقيادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد