كتبتُ هذا المقال لأقول لبعض الناس: تريّثوا واصبروا قبل إطلاق الأحكام، واتخذوا خطوات قبل الانجراف إلى تحليل الأحداث والقضايا الخلافية بشكل قطعي وحاسم، ولا أريد أن أقول تواضعوا وخذوا الحذر قبل أن تثبت الأيام سريعًا تهوّرًا وحُمقًا أوقعتم أنفسكم فيه.. أما البعض الآخر الذين يكتبون ليقبضوا الأثمان، ويجنوا المكاسب، فلا أوجه كلامي لهم؛ لأنهم يثيرون الشفقة أكثر من إيثارهم بالنصيحة!

فالمنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط – وربما العالم كله – يمرون بحالة استثنائية، تتفجر براكين الغضب في أنحاء البلاد، عصابات طائفية مسلّحة تفشّت كما السرطان، قتل ودمار يومي، صراعات وانقسامات ومؤامرات يحيكها الكل ضد الكل.. هذا جانب من واقع الحال. يأتينا بعد ذلك الأخوة المتهورون ليعطونا أحكامًا نهائية وباتة عن أعقد قضايا المنطقة في ظل هذا الهياج الممتد المستمر: يحكمون على الماضي بالجملة والتفصيل، ويستشرفون المستقبل القريب والبعيد بكلمات حاسمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لا يتركون شاردة ولا واردة إلا وصدّعونا برؤيتهم الصائبة عنها.. وهم لعمري أجهل مما يظنون!

بالله كيف لهم ذلك وكل ما حولنا يقطع بالشك والريبة في كل شيء، والحذر والتريّث من الكلام فضلا عن إبرام الأحكام النهائية، وإطلاق التحليلات القاطعة: فما نصبح عليه نجد نقيضه مساءً، ومن كنا نظنهم أوثق الأصحاب نكتشف سريعًا أنهم ألدّ الأعداء، ودول الأمس أصبحت دويلات، ودويلات تصير دولًا، وضربات إرهابية تطال دول العالم الكبرى والصّغرى بلا هوادة.. مخاضٌ رهيب تملؤه الدماء والأشلاء والخراب والتشريد ورائحة الموت في عنان السماء تزكم الأنوف.

والتحولات الأخيرة المتسارعة في السعودية التي شملت حملة اعتقالات وسجن واسعة النطاق لأمراء آل سعود وبعض كبار المسئولين، وما تبعها من تجميد أرصدة، ومصادرة أصول وأموال، وأجريت بتدبير مباشر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هي خير دليل وأقوم قيلًا لما نتكلم عنه.

لقد كانت هذه التغيّرات بمثابة الصدمة للمتوهمين الذين أصدروا الأحكام الصريحة على مجريات الأمور قبل أن تحدث تغييرات سريعة متعاقبة كشفت عن عوار منطق التحليل عندهم، وأثبت تلاحقُ ودرامية المَشْاهد أن المنطقة عصيّة على حسم كثير من أمورها الجزئية برأي أو تحليل، علاوة على أن كثيرًا منها مركب ومعقّد ومتشابك.

أوْهَمَنا أولئك الناسُ بأن هناك مسلّمات في المشهد السعودي، تهيمن على حركة المملكة داخليًا وخارجيًا؛ ولكن التغيرات الأخيرة ضربت فيها بمقتل، وقطعت بكذبها وزيفها، وأسْوق لذلك أبرز أربعًا منها:

الأكذوبة الأولى: السيطرة السُّديرية

السّديريون السبعة هم أبناء الملك عبد العزيز المؤسس من إحدى زوجاته، وهي السيدة حصّة بنت أحمد السديري، وعددهم سبعة أمراء، منهم اثنان تقلّدا عرش المملكة، هما الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، والملك الحالي سلمان.

ولقوة الجناح السديري (ينتمي أعضاؤه إلى القبيلة السديرية) على منصّات الحكم ومواقعه، كان إلى «المسألة السديرية» يُعزى تحليل كل ظواهر وتناقضات الحُكم في المملكة، وكانوا يقولون إن هذا المَلِك لن يُمسك بمقاليد الحكم كاملة لأنه غير سديري (أي ليس ولدًا من السيدة حصّة)، وأن الأمراء السديرين لا يمكن أن يمسسهم سوء، ولن يعترض لهم عارض مهما كان الأمر.. وأن عائلة الحكم السعودية يكتنفها غموضُ الانقسامات والتحزّبات الداخلية، وستنقسم على نفسها انقسامًا يودي بها إلى مهالك عظمى… وهكذا إلى آخره.

وفي ليلة واحدة راحت كل هذه التنظيرات أدراج الريح، وتبددت إلى غير رجعة؛ لأن الأمير الشاب محمد بن سلمان أعمل السجن والاعتقال في كل أمراء عائلته، سديريين وغير سديريين، بل إن الاعتقالات تركّزت أساسًا على السديريين.. لتكتب تلك الإجراءات كلمات نهاية تراجيدية لـ«النظرية السديرية» في معادلات الحكم في المملكة، وبدا أولئك الأمراء ضعفاء وقليلي الحيلة ومعزولين تمامًا عن حاضنتهم القبَلية والشعبية، وبدت الإجراءات التي مسّتهم كحركة تصحيح أوضاع وتعديل مسار تمّت بالليونة واليسر وبأقل الخسائر.. فهل تعلّم المتحذلقون والكتّاب الاستراتيجيون الدرس؟

الأكذوبة الثانية: ضعف الأمير الشاب

منذ أن طفا اسم محمد بن سلمان إلى السطح باعتباره وليًا لولي العهد (وهو المنصب الذي استحدثه الملك الراحل عبد الله في حركة تعديلات سابقة) وانهال الكلام عن ضعف الأمير المُدلل، ونعتوه بالأمير الغرير المُضلل، والإشارة إلى أنه طامح إلى الحكم دون المؤهلات الكافية والخبرات الضافية، ودون سوابق له تشهد عليه لكي يملأ الموقع الذي شغله.

ومرّ الوقت.. وما أن صعد الأمير الشاب إلى سدة ولاية العهد على حساب ابن عمه الأمير محمد بن نايف، إلا وانهمرت التحليلات التي تبرهن بكل الحجج وتثبت بكل الشواهد بأنها نهاية المملكة اقتربت باقتراب الأمير الصغير إلى سدة الحكم في المملكة، وأن تصرفاته الطائشة في التعاطي مع ملفات المنطقة ستُذهب بالمملكة إلى طريق اللاعودة!

وتمر الأسابيع، وليس الشهور، أو السنين، لتثبت غباء إخواننا المدعين، وتُظهر وهن وضعف الحجج التي أسسوا بها لضعف الأمير الشاب الذي بدا بالصلابة والقوة المنقطعة النظير في تاريخ المملكة في إجراءاته التي تؤسس دون شك لمرحلة جديدة من تاريخ السعودية.. ويتفاجأ جمهور الناس بأن الأمير الذي قيل لهم إنه سيؤكَل، فإذا عصاه تلقفهم وما صنعوه، ويُمسَون في قبضته في جنْح ليلية واحدة؛ ليصبح هو الرجل القوي الوحيد في السعودية.

قَلَبَ هذا الأمير الشاب موازين الحكم في بلده العصي على التغيير، وحوّل صيغ السلطات والصلاحيات كلها تقريبًا إلى جانبه، وستشهد الأيام القليلة القادمة تغيرات أوسع نطاقًا وأوقع أثرًا، يستحيل التّكهن بمداها أو مستقرّها.

الأكذوبة الثالثة: استحالة إجراء تغييرات اجتماعية

معروف عن المملكة بالضرورة أنها تتبع الهوى الوهّابي في إدارة الشئون الدينية داخليًا وخارجيًا. والوهابية هي وجهة نظر إسلامية سنّية متشددة في نظرتها للحياة والمجتمع والمرأة على نحو خاص. وكانت الغالبية من المحللين يقطعون بأن المملكة لن تتنازل عن هذه الرؤية؛ لأنها ببساطة تشكّل عصب الحياة لبقاء صيغة الحكم الراهنة في المملكة، وأن أي حلحلة لسيطرة الوهابية سيُلقي بالسعودية إلى هاوية سحيقة تذهب بها إلى الأبد.

ولكنّ الأشهُر القليلة الأخيرة وأدت هذا الاعتقاد وأدًا تامًا ونهائيًا؛ إذ تشهد المملكة تغيّرات عميقة على المستويين الاجتماعي والثقافي؛ فلأول مرة في تاريخ المملكة تزاحم المرأةُ الرجلَ في قيادة السيارات؛ إذا أجازت الحكومة مؤخرًا قانونًا يجيز للنساء استصدار رخصة للقيادة، بل ستشهد ساحات الفاعليات الرياضية والمناسبات الاجتماعية حرية حضور المرأة جنبًا إلى جنبٍ مع الرجال، وفتحت القناة السعودية الرسمية مجالًا لبث أغاني السيدة أم كلثوم في حفل مسائي يوميًا، وحصلت مؤسسة «الفن الجميل» على أول رخصة لبناء دار سينما لأول مرة في تاريخ السعودية.

ولا شك أن هذه بداية، وأن هناك مفاجآت كثيرة أخرى في الطريق ستشهدها المملكة ضمن المخطط الاستراتيجي 2030، الذي يحوي كذلك تدشين مناطق سياحية وأخرى حرة؛ في خطوات هي تمهيد –ربما- لطلاق غير رجعي من رجال السلطة الدينية الوهابية في مجتمع المملكة، بل قد يُحمَّلون -هم أنفسهم- عبء إنتاج مُخرجات الخطاب الديني الجديد الذي يتوافق مع مستجدات المرحلة!

الأكذوبة الرابعة: انهيار طائفي

من المعروف أن المنطقة الشرقيّة يغلب فيها المكوّن السكاني الشيعي.. ومنذ تبلور الدور الطائفي الإيراني في المنطقة في أعقاب غزو العراق، وبروزه عقب «الربيع العربي» والكلام حول انهيار المملكة بحرب أهلية في جانبها الشرقي لا ينتهي؛ يساعدهم في ذلك بعض الحوادث والاضطرابات التي شهدتها المنطقة الشرقية، وبالطبع لا نُنكر مظالم المواطنين الشيعة في المملكة وتعرضهم للتهميش، إنما نعترف بذلك في إطاره الواقعي؛ إنما الحُكم بأن الوضع سينفجر ويخرج عن السيطرة لينتهي إلى حرب أهلية في المملكة وانقسامها ثبت كذبُه وادعاؤه، ذلك أن السعودية، وعلى الرغم من مجابهتها مشاريع إيران في المنطقة بشكل مباشر لأول مرة، فإنها تبدو متماسكة وقوية على غير العادة، بل ظهرت المملكة على صورة غير تقليدية في ظل العواصف والزلازل المدمرة التي ينوء بوطأتها الإقليم.

وبالرغم من ذلك، خرج علينا رجال التحليلات الخطيرة وبشّروا بسقوط المملكة في براثن حرب أهلية طائفية يحترق بلهيبها الخليج العربي والمنطقة بالكامل؛ وقد ثبت كذب هذا الادعاء أيضًا.

وفي النهاية.. أنصح إخواني المتهوّرين، الذين ينجرفون إلى إطلاق الأحكام، وقطع الكلام في أمور وقضايا المنطقة بالصبر والحذر لأن الأمور مشتعلة والأوضاع في تغيّر صباح مساء، فامسك لسانك كثيرًا، وأطلقك تفكيرك بعيدًا.. ولا تتفرغوا للتعليق والتحليل للتفاصيل الصغيرة قبل الإحاطة بعناصر المسألة كلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد