ليس من السهل إطلاقًا أن تقوم بثورة على نظام ثابتة جذوره في أركان الدولة كأنه شجرة عتيقة تربت في منزلك الذي ورثته عن أبيك، وأبوك ورثه عن جدك، حتى تملكت من قاعدة المنزل ككل ونمت، حتى ملأت البيت بغصونها فما وجدت لها حلًّا سوى القطع، ولكن الرجل المتخصص في تهذيب الأشجار أقر أن الشجرة إذا قُطعت سوف ينهار المنزل، وهنالك حل آخر هو قطع الأغصان المتفرعة -بشكل دوري- التي تُضايق الساكنين.

ما هو الحل إذا؟

هل نقطع الشجرة ونرتاح من همها إلى الأبد، ولكن الأمر سيكون صعبًا جدًّا لأن المنزل سوف ينهار بالكامل؛ مما سيجعلنا مُشردين فترة كبيرة حتى يتم بناء البيت الذي قطعًا سوف يأخذ تكلفة كبيرة كي يصعد قوامه من جديد، وسوف يتطلب جهدًا كبيرًا منا في عملية التشييد، ولكننا بعد أن ننتهي من عملية التشييد سوف يكون لدينا مبنى متحرر عن الشجرة، ولا يوجد به ما يؤرقنا.

أما الحل الثاني هو أن نهذب الشجرة، ولكنها سوف تكلفنا أيضًا على مر الزمان، بالإضافة إلى عامل الرهبة من الشجرة، فهي موجدة معنا وسوف تطول من جديد، وتوسع الشقوق التي في الحائط، وتخنقنا ليلاً إذ تستنشق أكسيجيننا كله وتجلب لنا الثعابين والحيات من جذعها المدكوك في الأرض، وفي يوم من الأيام لن نستطيع وقف زحفها علينا.

في وطننا العربي -بعد ثوراته التي لن تُكرر بهذه الطريقة مجددًا- لم نزل الشجرة، أو بالأحرى لنقل لم نستطع أن نزيل الشجرة الجاثمة على حريتنا لأسباب عدة، وهي:

1- قلة الخبرة

ليس لدينا خبرة سابقة في كيفة القيام بثورات مدنية على السلطات العربية التي توصم بأنها أعتى الديكتاتوريات دموية إذا تعلق الأمر بتحريك ريشة واحدة من كرسي عروشها، فلم يكن لدينا ثورة ناحجة يشهد لها التاريخ أنها حققت مطالبها كاملة، ولو حتى نفذت مطلبًا واحدًا، أو سُجلت على أنها ثورة، فإذا أعدنا تاريخ الثورات سوف نجدها انقلابات عسكرية وحركات تمردية ليس لها أي رائحة من المدنية، وإذا كان هنالك تنفيسة مدنية سوف يسجلها مافيا الكتاب والمؤرخين للانقلابات على أنها تمردات من مجموعات خارجة عن القانون، أو عصابات من قاطعي الطرق.

2- خلل في الوعي

لم يكن لدى الثائرين وعي كافٍ بماهية الثورة، وكيفية القيام بها، وطريقة عرض مطالبها، وهو ما نجحت فيه بعض من ثورات الربيع العربي مثل مصر وتونس، ولكنها افتقدت إلى العنصر الأهم، وهو كيفية تحقيق هذه المطالب، أو كيفية جدولة المطالب بحيث يسهل تنفيذها من قبل الثوار، ولكن للأسف قلة الوعي أصابت الثائر وهمشت دوره، وحولته من صاحب الاحتفال إلى مغنٍ لا يسعه سوى الغناء في الضجيج، ولكن الغناء وحده لم يكن كافيًا، فبعد بضع دقائق من الاحتفال تم إنهاء الفقرة التى يُقدم فيها أغاني الثورة، وأتت بعدها فقرات الحنين إلى الماضي.

3 – سطحية الإدراك بالمسئولية

لم يضع الشاب الثائر في اعتباره أن وراءه أمة يأكل الجوع والمرض والجهل في بنيانها، حتى بدأ يتهاوى جزء فآخر، فهذا الشعب تربى على أيدي الجلاد، فلم يستطع أن يبوح بكلمة اعتراض، أو حتى يتجرأ على المطالبة بحقه المشروع في الحياة الكريمة والمعاملة الآدمية؛ لذا تعلقت كل آماله بالجيل الصاعد في ظل إرهاصات الحياة البائسة، ولكن لم يستوعب الشباب هذه النقطة بشكل كامل،حيث عاتبوا الناس على جبنهم وخاصة الفئات السنية التي تجاوزت الخمسينيات، وهي التى تربت في عهد السجن الكبير على أيدي الأنظمة الأوليجاركية في بذتها المقاتلة، لذا تولد لدى فئة الشباب هاجس معادة الفئات الكبيرة في السن، وعدم القدرة على كسبهم في الصف الثوري، وطمست المسئولية العامة.

4- الدولة العميقة

ما زلنا صغارًا نصدق الأب حينما يقول إنه كان الأول على الفصل طيلة سنواته الدراسية، على الرغم أن هذا الأب لا يملك الوقت في تعليمنا كيف نكون مثله، والأمر نفسه حدث بين القائمين بالثورة والجهات المتحكمة في الدول العربية، وغالبًا كانت إما القيادات العسكرية، وإما الحكومات المنحلة، وإما السياسيين القدامى الذين جار بهم الزمان ،بالإضافة إلى هيكل الدولة العميقة المتبقي (الشجرة) هل تتذكرها؟ وهي الفئات التي اتخذت من الثائرين صبية ليس لديهم خبرة أو وعي أو حتى تكتلات منتظمة على الأرض، لذا تم الاستخفاف بهم وإقناعهم أن الدولة العميقة هي الوحيدة القادرة على تسيير الأمور إلى حين الوصول للشكل الديمقراطي المرغوب.

ولكن ماذا فعلت أنت أيها الثائر حينما أزحت رئيس فاسد وأعطيت السلطة لمعاونيه القدامى؟

الأمر في النهاية يصب في مصلحة الشعوب العربية، إذ أخذت خبرات تستطيع أن تبني عليها في المستقبل تجربة ديمقراطية حقيقية، فلا يجب أن نؤمن بفشل الثورات، ولكن نقول إنها سوف تأخذ قيلولة صغيرة حتى يتعلم الشباب من أخطائه السابقة،ويقدر قيمة قطع الشجرة؛ لذا لزم التنويه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد