وهم الانتصار ورهق الانتظار

تلقى المسلمون خبر إسلام النائب الهولندي السابق يورام فان كلافيرين، بمزيد من الفرح وسرى الخبر وفشا وانتشر وكأنه الماء القراح الذي يروي الظمآن.
كان كلافيرين معروفًا كما تنناقل وسائل الإعلام بمواقفه المناهضة للمسلمين، فهو الساعد الأيمن للسياسي خيرت فيلدرز الذي يجهر بكراهيته للمسلمين.

خبر إسلام يورام شكل شارة فرح كبير عند كثيرين وغبطة وشعورًا بالفخر وبث المسلمون الخبر بارتياح ومسرة وكأنه اعْتَدلَ الميلُ وانْحَسَمَ الدَّاءُ وانْدَمَلَ الكَلْمُ وانْشَعَبَ الصَّدْعُ واستقامَ المائلُ وانْجَبَرَ الوَهْيُ وارْتَتَقَ الفتقُ وعاد الإسلام إلى عزه …
وهذه مشكلة الوعي العميقة عند المسلمين وقياداتهم حيث هم يزهدون بمن معهم، ويرحبون بمن وفد إليهم! وهم لا يحسنون تحسين الراكد ولا تجويد الوافد.
ويكتفون بالاستقبال الحار دون متابعة أو رصد لمن كان معهم أو وفد إليهم.

المقصد من هذا الاستهلال التمهيد لمناقشة استفهامات تحاول تجاوز فكرة تجميد الحاضنة الشعبية على لوازم متكررة منها (الغرب هو العدو) و(الإسلام هو المستهدف) وأن (الإسلام يعلو بلفظ الجلالة الذي وجد في داخل بندورة وفي مجموعة من الأشجار في الغابة التي شكلت عبارة لا إله إلا الله).
وهي كلها تصورات يتم حقن الناس بها وتبسيط معنى الإسلام.

وفي المقابل يتم تغيبب الملحّ من الأسئلة والتي منها أننا لا نعرف مثلًا لماذا لم يتم تأسيس مراكز بحثية يشرف عليها مراد هوفمان ومحمد أسد وروجيه غارودي وغيرهم؟
ولماذا لم يتم تعميق رؤى علي عزت بيجوفيتش ومحمد إقبال؟
ولماذا لا يدرس فكر الإمام المصلح الحقوقي الدستوري عبد الله الحامد؟
ولماذا لا تعمق اجتهادات القانوني الفقيه د. حسن الترابي؟
وفقهيات الأزهري المجدد عبد المتعال الصعيدي؟
وتأملات حكيم الإسلام محمد الغزالي؟
وفلسفة الفيلسوف سيد محمد نقيب العطاس؟
لماذا نزهد فيما بين أيدينا ونتطلع للجديد الذي سنهمله بعد فترة؟
ولماذا لا نستثمر من قدم إلينا؟
ولماذا نضيع من قدم إلينا ولا نتعلم منه؟
ولماذا قبل أن نفرح بإسلام رجل مهما كانت مكانته لا نحزن ونفكر من كان وراء خروج الآلاف من الكورد السوريين من الإسلام؟

إنها أسئلة حقيقية تلامس واقعنا الجريح بسكاكين الضمور في الوعي وهشاشة التفكير.
لذلك كله لم أتلق خبر إسلام كلافيرين بأي حفاوة ولم أجد في نفسي أي فرح ولا سرور ولذلك سر في نفسي لا بد من إشاعته.

أولًا: المسلمون لا ينقصهم رقم جديد بمقدار احتياجهم إلى استكمال البناء الفكري والأخلاقي والنفسي لأرقامهم الموجودة والتي وصفها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في نبوءة له حسب رواية ثوبان رضي الله عنه بقوله (يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت).
توصيف لحال المسلمين اليوم كثرة كغثاء السيل كثرة متدهورة ذهنيًا ونفسيًا وأخلاقيًا تحتاج إلى صياغة وفق ما يريد الله ورسوله قبل أن تلحق بها أرقام جديدة.

إن مما يرضي الله ويسر قبل أن نهش بقدوم مسلم جديد أن يؤمن المسلمون الذين ورثوا الإسلام بأن:
صناديق الاقتراع دين.
رفض الحاكم العسكري دين.
رفض الاحتكام إلى العنف دين.
نبذ التطرف والطائفية دين.
إدانة أجهزة المخابرات دين.
التربية على القانون دين .
تثقيف المسلمين وأن لكل دين ولكل قومية يبنغي احترامها دين.
العمل على تعميق السلم الأهلي دين.
رفض التعديل على الدستور وتعديل القوانين لتكون خادمًا للمستبد دين.
تكوين ذائقة جماعية شعبية تؤمن بالعلم والسلم دين.

كل هذا لا يتم ذكره أو قلة من فقهاء زماننا من يؤصله وبالطبع هذا ما يجهله المسلمون في بلادهم وحتى من جاء من المسلمين إلى أوروربا لم يعمل عى الارتفاع بوعي المسلمين، بل انغمس في واقع بلاده السياسي وعاش الإشكاليات الماضوية وجلبها إلى أوروربا، فتراه يناقش معاوية وعلي ويعيش الماضي متهربًا من الراهن في أوروبا قد تجد السلفي والإخواني والصوفي ولكنك لن تجد الإسلام الاجتماعي، بل حتى الشعائر كدخول رمضان ومواعيد الإفطار والأعياد تم تفريقها وتم تمزيق معنى العبادة الجماعية.

ثانيًا: الإسلام ليس ماركة تجارية ولا علامة ترفيهية تزيد قيمتها أو تنقص بحسب من آمن بها أو رفضها.
الإسلام قناعة تبدأ بفكرة مفكرة مبرهنة فهو دين يقوم على ركيزتين:
• العقل يقول الإمام الماوردي:
جَعَلَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ مَأْخُوذًا مِنْ عَقْلٍ مَتْبُوعٍ، وَشَرْعٍ مَسْمُوعٍ فَالْعَقْلُ مَتْبُوعٌ فِيمَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ، وَالشَّرْعُ مَسْمُوعٌ فِيمَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَرِدُ بِمَا يَمْنَعُ مِنْهُ الْعَقْلُ، وَالْعَقْلُ لَا يُتَّبَعُ فِيمَا يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ. فَلِذَلِكَ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ إلَى مَنْ كَمُلَ عَقْلُهُ. أدب الدنيا والدين المؤلف:أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ) الناشر: دار مكتبة الحياة الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر:1986م ص87
فمن لا عقل له لا دين له.
• الحرية ومن كان بلا حرية لم يقبل دينه.
الإسلام ينمو بعقل منفتح ويتعمق بعاطفة مستنيرة ولا يزدهر الدين في واقع محكوم بالقبضة الاستخباراتية.

ثالثًا: يعتقد المسلمون أنهم يدافعون عن دينهم ويحرسونه وأن الدين قاصر عن الدفاع عن نفسه مع أنه تاريخيًا تعرض الإسلام إلى ضربات في الرأس وفي القلب، ولم يحكم الإسلام أي بلد وكل الأسر التي تولت حكم بلاد العرب والمسلمين تسترت بالإسلام وكان أول ضحايا استبدادها محاربة المعنى الإداري والاجتماعي للإسلام ومعاقبة من يعبر عن التدين بشكله الصحيح.

أعتقد أن جزءًا من ماكينة السياسة بعد تأميم الدين وتحويله إلى جزء من الدولة وممتلكاتها اخترعت فكرة نزول المسيح عليه السلام وظهور المهدي؛ كنزوع لإيجاد أمل وتملصًا من أي استحقاق.
مع أن دين الله لا يحتاج إلى حارس وإنما وكل حفظ الدين ومعالمه إلى نفسه تعالى لا إلى أحد من خلقه والله نزل الذكر وله حافظ والله يدافع عن الذين آمنوا.
إن الدين الإسلامي يتعرض لحملة تشويه منكرة يقودها قادة إعلام وجماعات استخباراتية ورؤوساء حتى إن الرئيس محمد صالح كان يقود تنظيم داعش هو وكبار مسؤوليه وقيادات البعث العراقي بالأمس كانت قومية واليوم هي من وراء تنظيم داعش!
كل ذلك لتحويل الإسلام إلى فزاعة وتخويف الناس من الإسلام إن الإرادات الشقية السياسية المستترة انتقلت من جنون البشر إلى تجنين البشر.

رابعًا: تقزيم الإسلام بعبادات شكلية أو محاولات التجديد القاصرة التي تنكش التراث وتخرج الأقوال المجهولة والجاهلة بحجة تجديد الإسلام هو عمل عبثي فلن يتجدد خطاب إسلامي في ظل ظلم وقهر سياسي.
إن المسلمين يطربون لوضع نغمة إيمانية على أجهزة جوالاتهم (الموبايل) لكنهم لا يتحسسون ولا يتحمسون ولا يلتفتون إلى نغمات الضياع التي تسري في جنبات نفوس وعقول أولادهم في بلاد الغرب الأطفال ولا في بلاد العرب والمسلمين، حيث باتوا من الذين لا يعرفون من الإسلام إلا صور داعش والإعلام الرسمي والمسلسلات المصرية والتركية والسورية المفخخة للعقول.
للأسف اعتاد المسلمون على وضع الإسلام في قفص الاتهام وسهل ذلك كيد الحكام والمخابرات التي تفننت في تحميل الإسلام أوزار التخلف.

وفي الختام إذا أردنا أن نكون فوق التيار وفى أعلى الذرى ومن صناع الحياة علينا ننظر إلى إدارة الحياة على أنها (صنعة) لها فنونها الخاصة، وتجودها الخبرة المكتسبة إذا تراكمت،كما يقول الراشد ومفتاح ذلك كله أن الأمر يكون بأبعد من مجرد وصولنا إلى الحكم وتحقيق تفوق سياسى جزئى، وإنما الإمساك بزمام الحياة يستدعى نزولًا إلى الساحة بأفق حضارى شامل، فيه إصلاح للأدب، وبناء للاقتصاد، وحيازة للمال، وسيطرة على العلوم، ونفاذ إلى مراكز القوة فى كل قطر على مدى عالمى.
الإسلام ينتصر لنفسه وما دخول يورام فان كلافيرين في الإسلام إلا دلالة على أن دين الله أعلى من الصور القاتلة والقاتمة والمنتشرة والتي للأسف كرستها عروش وجيوش وكروش الحكام وجهل العوام في بلاد الإسلام… وصلى الله على محمد وآله وسلم: ليَبْلُغن هذا الأمر ما بلغ اللَّيل والنَّهار، أيها المسلمون افرحوا بوعيكم قبل أن تفرحوا بوعي آخر انضم إليكم ولم يكن لكم أي جهد في ذلك فأنتم وثائق إدانة لدينكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد