الكثير من شبابنا، وحتى كبارنا، ينظرون إلى جريمة الزنا وعقوبتها في الإسلام من منظار واحد، وهو شدة العقوبة وكيفية أدائها، لكن يخفى عليهم الشروط الواجب تحققها من أجل إنزال عقوبة الزنا المنصوص عليها في القرآن الكريم، وما يظنه الكثيرين أن تطبيق هذه العقوبة سهل للغاية، ما إن يشهد أربعة رجال على مرتكبي هذه الجريمة، يتم تطبيق القصاص العادل، لكن لا يقف أولئك على معنى الشهود ومفهومهم وعددهم.

يقول تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ»، وسنركز على بعض المفردات التي وردت في الآية الكريمة، والتي تبين أن جريمة الزنا لها أبعاد ومخاطر كبيرة، ولهذا فهي تحتاج إلى ضوابط وآليات شديدة لإثباتها، وهذه المفردات هي:

1– «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ :«والرمي هنا يعني الاتهام؛ فالذين يتهمون الناس عليهم أن يضعوا بين أيديهم أدلة على ذلك، وخاصة في تلك المواضيع المصيرية، كما هو الحال في اتهام النساء بالزنا.

2- «الْمُحْصَنَاتِ :«والمحصنات هن تلك النساء اللاتي يتهموهن بالزنا، والله تعالى يصفهن بأنهن محصنات وبريئات حتى يثبت عليهن ارتكابهن للجريمة، وما عدا ذلك فهن أمام الناس محصنات ولا يجوز اتهامهن من غير دليل.

3- «ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ :«هنا يتبين أن الذين يرمون المحصنات عليهم أن يأتوا بأربعة شهداء، والشهداء ليسوا شهودًا عاديين يتكلمون ويذهبون إلى بيوتهم؛ فالشهيد هو من شهد حدوث الحادثة، ورأى وسمع وميز الحدث والأشخاص، ولا بد من تحقق التطابق في الشهادة، وإلا فان هذا الاتهام لن يمر مرور الكرام.

4- «اجْلِدُوهُمْ :«العقوبة الرادعة الأولى لمن يتهم المحصنات ولا يأتي بالشهداء الأربعة، وصيغة الجمع هذه تبين أن كل من يتهم امرأة بشرفها ولم يثبت ذلك؛ فإنه فاسق، ولا بد من إنزال العقوبة عليه وتصغيره أمام الناس في عدم مقبولية شهادته مستقبلًا، مع العقوبة الجسمانية في جلده.

من خلال هذه المفردات يتبين لنا أن رمي المحصنات شيء صعب، وأن تفشي هذه الظاهرة داخل المجتمع لها آثار جانبية سلبية وخطيرة، وللسيطرة عليها فقد وضع الله تعالى العقوبة على الزناة في جانب، وعلى من يتهمون الناس بالزنا في جانب آخر، وقد شدد على من يرمون المحصنات بعقوبتين، إحداهما تسبب له الألم البدني، والأخرى تصغر من مكانته الاجتماعية بين الناس، فتصيره من غير العدول، وهم الذين لا تقبل لهم شهادة، فهم فاسقون كاذبون وإن صدقوا، وهذه العقوبة الشديدة لا تأتي إلا ردعًا لفعل مفسدة عظيمة بين الناس تهدد بناء المجتمع، وأركانه، وقوامه.

لماذا حدد الله تعالى عدد الشهود بأربعة؟

عندما ينفرد أي رجل بامرأة وهما ينويان الزنا مع بعضهما فهما سيتدبران الأمر بسرية، ويحاولان عدم إظهار هذه الجريمة للعامة، ولكن عندما تلوح بوادر الشك على المحيطين بهما فإنهم سيبدؤون بمراقبتهما، ومن ثم مسكهما في الجرم المشهود، ليتقدم أربعة من الرجال في تقديم شهادتهم بما رأوه وسمعوه مع تطابق تام بينهم في حالة الزنا ووضعه وما عليهم من ملابس وبالتفصيل الدقيق، مع مراعاة زاوية وقوف كل شاهد منهم، فهؤلاء الشهود لا يمكن أن يكونوا قد اجتمعوا عندهما بالصدفة المحضة، وقد دخلوا وشاهدوا وسمعوا في الوقت نفسه إلا أن يكونوا قد اتفقوا على إظهار انحرافهما للعالم، وهذا بالطبع لا يكون إن كانا قد اجتمعا في بيت لهما، فكيف يدخلون عليهما ويهتكون حرمة الدار؟ فمعالجة الخطأ بخطأ غير وارد.

وهذا يعني أن إمكانية تحقق حصول الشهداء الأربعة صعبة كثيرًا، ولا تتحقق إلا أن يكون الزناة مستهترين، ويفعلون ذلك في أماكن تسهل على أربعة رجال أن يلاحظوهم ويقفوا عليهم ويشهدوا بشهادة متطابقة لا خلل فيها ولا شك، ومن ذلك نفهم أن البحث خلف الناس، ومحاولة التلصص عليهم من أجل أن يتهمهم في أعراضهم هي مهمة ليست سهلة، وتحتاج إلى تخطيط، ولا يسقط فيها إلا فاسد ومنحرف، وجريمة الزنا تجري في دمائه، ويظهر أن من يمسك على هذه الكيفية التي تحقق الشروط في جلب الأدلة الكافية فهو يستحق العقوبة الشديدة والرادعة، ولكن تبقى إمكانية تحصيل الشهود شيئًا صعبًا ولا يتحقق بسهولة، وهو من نعمة الله على الناس في ستر عباده ودفعهم إلى الصلاح، وعدم الاستعجال في اتخاذ القرارات، وتمكين الشكوك والظن السيئ قبالة التعقل والتفكر، والصبر قبل فعل أو نطق الاتهامات.

ما على شبابنا ذكورًا وإناثًا هو أن ينتبهوا لخطر التكلم والتعرض لأعراض الناس ورميهم بالاتهامات التي تنال من شرفهم؛ فهذه جريمة أخطر من جريمة الزنا، وهي من المفاسد التي لا بد من اجتنابها؛ لأننا سنقف أمام الله تعالى، وسيحاسبنا على كلامنا، ويطالبنا بالشهود في يوم يفر المرء من جميع أهله ويشتغل بنفسه، فلا تسيئوا الظن، ولا تنطقوا بما لا تعلمون، ولا ترموا المحصنات فترمى محصناتكم، وتقعوا في الحفرة نفسها التي حفرتموها للآخرين.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!