صناعة التعاطف الشعبي مع حراك الأردن

كان كلامه مقنعًا لدرجة أنك تراه حقيقةً ماثلةً أمامك؛ وصف يتجاوز الدقة وتصوير للأحداث كأنك تراها في عينيك. بدا لي أنّه كان شاهدًا على ما يقول وكأنّه يسطّر كلامه على ما يوافق رؤيته. غادرت مدرستي معتقدًا أنّها نهاية العالم؛ لأن ما قاله ذلك الطالب المجتهد عن نهاية الدنيا في الإذاعة المدرسية كان مقنعًا جدًا. منذ ذلك اليوم وعيت أن الإعلام أداة لبناء السياسة العامة، تُبنى عليها قرارات يكون من شأنها هدم لدولة أو إحياء لأخرى وفهمت أن من يكون الإعلام لجانبه كانت النتائج لصالحه.

من يكون الإعلام لجانبه كانت النتائج لصالحه

حالة المبالغة في الطرح والتأثير اللحظي على المتلقي هي الحالة التي تعتري كثيرًا من متابعي خطابات محتجي الدوار الرابع. استطاعت الحكومة الجديدة تمرير قانون الضريبة الجديد على الرغم من الاحتجاجات الشكلية أو الافتراضية في العالم الافتراضي. والسخرية من القرارات الحكومية كانت داعمًا لتلك القرارات بشكل غير مباشر حيث أن الساخر يعتقد أنه بسخريته قد تفوق على الآخر فيقف عند انتصار زائف. كما أن انتقال تلك الاحتجاجات على صفحات الإنترنت وخاصية البث المباشر مما بات يُعرف بمعارضي الخارج، جعلت منها أداة لتضارب المحتجين بعضهم بعضًا.

ومرد ذلك الاختلاف يأتي من عدم الانضباط تحت سقف مطالب واضحة وثابتة. فقد رأينا من أُقحم فيما يُدعى الحراك كرمز يقدم مطالب عالية السقوف ويصفّق في ذات الوقت لمن جعل من شعبه عبرة لكل من يبحث عن حياة كريمة بقتلهم وتهجيرهم؛ والحديث هنا كيف أقنع أنا المتلقي وأكون متعاطفًا مع من يكون في جانب فساد الدم على فساد المال بدعوى شماعة المقاومة. إن نقطة دم واحدة تسيل ظلمًا تعادل أكثر من كل أنظمة العالم.

لا يُقدم فساد الدم على فساد المال بدعوى شماعة المقاومة

كان للحراك أن ينجح أكثر لو أنّه أخرج لنا قيادات حديثة لا تنتمي ولو اسمًا لأي من الأحزاب في الداخل التي تحتاج في مجملها إعادة للتأطير لتكون على قدر المسؤولية التي على عاتقها. ولو كنت في طرفهم لشرعت في بناء حزب يستفيد من نظام تكوين الأحزاب في القانون الأردني لأخرج قيادات حقيقية فاعلة في أرض الواقع لتحقيق المطالب. وهذا لأن التغيير لأي قانون يكون من خلاله أو من خلال استبداله من أصله وهذا لم أجده في أجندات كثير ممن يطرحون فكرة الملكية الدستورية حتى في أكثر صورها الديمقراطية.

وهذه الأخيرة – الملكية الدستورية – لا يمكن تطبيقها في ظل الأوضاع الحالية التي تطالب بحل مجلس النواب الذي أتى كنتيجة لقانون الانتخاب الحالي. ما أعنيه أن مطلب الملكية الدستورية لا قيمة عملية له على أرض الواقع. وهو لأكون منصفًا يوازي تلك الشعارات الحكومية التي لا يوجد لها استراتيجية كمحاربة الفقر وغيرها. حيث لا يمكن أن توضع الحلول لمشكلة ما من قِبَل من يُعتبر هو المشكلة بحد ذاتها.

لا يمكن أن توضع الحلول لمشكلة ما من قِبَل من يُعتبر هو المشكلة بحد ذاتها

استطاع محتجو الرابع أن يصنعوا قاعدة شعبية من خلال طرحهم شعار مكافحة الفساد وأعتقد أنهم كما كانوا سببًا رئيسًا في إقالة الحكومة السابقة كانوا سببًا أيضًا في فتح قضية الدخان وأعتقد أن الظهور غير المبرر لكثير من مسؤولين سابقين للدفاع أو الهجوم على الحكومة يعطي مؤشرًا أن حملة الدولة على الفاسدين جدّية وأصبحت قريبة كثيرًا من البعض كما لم تكن من قبل.

ما تطرحونه أنتم كما يطرحه نظام الدولة؛ تريدون ما يعود خيرًا على الصالح العام وأراه يأتي في العمل لا في الشعارات أو الولاءات الخارجية التي لا أفهما أو أتفهمها لبعضكم.

حالة النجاح لاحتجاجات الدوار الرابع منوطة بقدرتهم على صناعة تعاطف شعبي معهم

وأرى أنه لديكم فرصة العودة للبدء في بناء حالة من التعاطف الشعبي التي من خلالها فقط يمكنكم الوصول لحالة القبول السياسي وفرض الإرادة السياسية من خلال رؤية واضحة للمشاركة في إصدار القرارات أو إقرارها. وانتبهوا أن الكثرة لا تعني الحق فالمهم هو أن تعرف أنك على حق وأن تكون منظمًا، وأما في طرحك المنظم هذا فعليك أن تكون مثل ذلك الطالب المجتهد في مدرستي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات