كان فيما مضى مُنذ البداية، مُنذ أن أُوقدت الشرارة الأولى لبدايات المصري القديم، أجدادنا الأوائل، حدث أن كانت مصر تتمتع بكثير من الرخاء والخيرات والنعم التي عاشتها بلادنا مُنذ أن وُجد المصري الأول على ضِفاف نيلنا العظيم وشُريان حياتنا واستثمار ثرواتها الموجودة في أرضها الخصبة، علك تُلاحظ أنه قد توالت عليها بعدما تأسست الدولة الكُبرى التي كادت أن تحكم مُعظم الأرض الكثير من عصور الظلام الاضمحلالية التي انتشرت خلالها ثوراتُ الجياع والتردي والتخلُف، حينما قام الرعاعُ القدماء من الهكسوس والليبيين والحيثيين والإهناسيين باحتلالنا، والهجمات التي قاموا بها على شعبنا وأراضينا، واستنزاف مخزونها وكنوزها، واستعباد أهلها لفتراتٍ شتى، مرت علينا كثير من هذه الأزمنة الغابرة، ولعلك تُلاحظ أنك حتمًا قد تعلمت ودرست وقرأت كثيرًا وكثيرًا حول العصور السحيقة الغابرة التي تعرضت لها بلادنا قديمًا؛ فالتاريخُ يُعيد نفسه الآن؛ فيجب أن نتعلم مما قد حدث مُسبقـًا أيام الاضمحلال الأول حينما قامت أول ثورة للجياع والفقراء منهم، وانهارت الدولة بشكلٍ مُباشر؛ حيثُ لم يكن لديهم أي وازع ديني أو خُلقي ساعتُها، فنبش الشعبُ القبور وخربوها وهدموها حتى قبورِ الملوك أنفسهم، وآل الأمر إلى الفوضى العارمة حينها، والحكومة قد شُلت حركتها تمامًا، ولم ينته الأمرُ بسوء الأحوال الداخلية فقط، بل انتهى الأمر إلى أن تُصبح مصر فريسة سهلة للاحتلال الآسيوي الخارجي، وتمنى المصري القديم وقتها الموت على أن يرى بلاده هكذا، إلي أن قام أحد الملوكُ الأوائل بتوحيد البلاد، وطرد العدو الآسيوي، والنهوض بالبلاد والعمل على ازدهارها ورخائها، واسترداد مكانتها المسلوبة مرة أخرى، فقد عرف المصريون كل صِنوف الحُكم والحُكام، من عربٍ وفرس ورومان وآسيويين وليبيين وإهناسيين، وهي ما سُميت بعصورِ الاضمحلال والخراب، فكان منها الاضمحلال الأول في عصر الأسرات السابعة إلى العاشرة، والاضمحلال الثاني الذي عُرف بعصر الهكسوس، والثالث بقيادة قمبيز الفارسي الأصل، وكانت هناك دائمًا سِمة مُشتركة في كل عصر وكل غزو، وهي انقسام الدولة المصرية وانهيارها في شتى المجالات بسبب تآمر الحُكام عليها وخيانتهم لبلادهم، أما الآن فنحن نمر بما هو أصعب من إدراكنا وفهمنا، بصدد ما لم نُعاصره من قبل وهو عصور ظلام واضمحلال من نوع آخر لم نر لها مثيلاً، عصور نعيشها حاليًا لا لنقرأها في كتب التاريخ خاصتنا، بل لنعيشها ونتساير عليها، ليست مُنصبة على ثورات اضمحلال في خيراتنا وثرواتنا المنهوبة فقط من حُكامنا وقادتنا، بل هناك الكثير من التردي والتخلف في عاداتنا وأخلاقياتنا وحياتنا الاجتماعية بأجمعها، نحن مُقبلون على عصر من الفوضى والتخلف وعدم الأمان سواء اليوم أو الغد أو مستقبلاً، ما سنُلامسه آنفـًا هو حالة من الجهل التام بمُجريات الأمور التي لا يسعُنا التعامل معها، لا يسعنا سوى التضرع إلى الله لزوال هذه المِحنة التي لا نقدر على التصدي لها، نحنُ نأكلُ لحوم أنفسنا ميتًا بالفعل، لا يسعُنا سوى استغلال أنفسنا في أوقات الأزمات والانهيار، فقد صار الجيلُ الجديدُ من الأطفال والشباب غريبًا، يتبع ما لا يسمن ولا يغني من جوع من العادات والأخلاقيات وطريقة التفكير البائدة وغيرُ المُجدية، نحن مُقبلون حتمًا على إعلان إفلاس الدولة وتعصب وتطرف أعمى، إرهاب وحروبٍ أهلية وطائفية غير قابلة للشك، نحن مُقبلون على سلسلة من الاحتكار للتُجار لا تنتهي، الغلاءُ كاد أن يفتكُ بنا، الاضمحلال والتخلف المُنتشر قد فاق احتمالنا وقُدراتنا وطاقاتنا كلها، ومن قراءتنا للتاريخ يَكادُ يظهر لنا أنه لا مفر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد