«دعونا نعطِكم الفرح الذي تريدونه وتستحقونه».

في تلك اللحظات التي وجه فيها المدرّبُ كلماته لجماهيره، كان أكثر المتفائلين لفريقه لا يرى فرحًا أعظم من إنجاز الوصول إلى نهائي بطولة كبرى بحجم التي يشاركون فيها، واعتبروا أن مجرد خروجهم من المباراة النهائية بأقل نتيجة سلبية ربما هو الفرح الذي يستحقونه؛ بل وأعدوا له التكريم المناسب!

لكنه درس فريقه جيدًا، أيقن نقاط قوته ونقاط ضعفه، وفَّرَ خططه البديلة التي تعينه في مشواره، احترم منافسيه؛ لذا وجه رسالة إلى خصومه: «أريدكم أن تحتفظوا بآرائكم وتكرروا ما قلتموه بأننا حققنا انتصارات غير مستحقة. سأعود إلى البلاد في هذه الحالة وأنا في قمة السعادة»!

لم تكن كلمات المدير الفني لمنتخب البرتغال فرناندو سانتوس في مؤتمره الصحفي قبل مباراة نهائي كأس الأمم الأوروبية 2016، التي حقق لقبها لبلاده لأول مرة في تاريخها، عبثية؛ فالاتحاد البرتغالي لكرة القدم تأسس في عام 1914 وانضم إلى الفيفا في 1923؛ وحتى عام 2004 كان حصول البرتغال على لقب الوصيف لكأس أمم أوروبا أقصى إنجاز له عبر تاريخه.

«ابن اللحظة»

وفي 2016، ورغم أن غالبية المؤشرات ترجح كفة منافس البرتغال لحصد بطولة الأمم الأوروبية، لم يستسلم المدرب للآراء النقدية السلبية التي تتسلل إلى أذنيه، ولم يفكر في تاريخ المواجهات الماضية؛ فقط تعلّمَ الدرس وقرر أن يواجه بشجاعة؛ فـ«قصة المواجهات الماضية كانت قبل هذا الدور. الآن، نحن في النهائي، والأمر مختلف تمامًا».

ولمَ لا وقد صنع بنفسه الفرصة وتشبث بها، ولم لا ما دامت قريبة منه والتنافس لنيلها مشروعًا؛ ولم لا وهو «ابن اللحظة» التي لم يظفر المنتخب الهولندي بحظ المشاركة في بطولتها، وأُقصي المنتخب البلجيكي على يد منتخب ويلز في الدور ربع النهائي، وأقصي المنتخب الألماني (الملقب بالماكينات) على يد فرنسا في الدور قبل النهائي!

ولاعتقاده العظيم بقيمة دوره الذي يبذله وأنه يؤديه على أكمل وجه، وأن للمجتهد نصيبًا؛ سعى إلى تحقيق رغبته الطموحة المشروعة: «أعتقد أننا سنكتب فصلًا جديدًا من تاريخ كرة القدم خلال المباراة النهائية». ولم تسِر الأمور بعشوائية أو عبثية؛ فهو يعلم أن «المنتخب الفرنسي يلعب على أرضه ووسط جماهيره، وهو الأوفر حظًا»؛ لكنه تحدى العوامل الخارجية المنافسة وأعلنها بقوة: «لكني أقول إن البرتغال ستفوز». وبالفعل، حقق المنتخب البرتغالي لأول مرة في تاريخه، مساء الأحد 10 يوليو، لقب النسخة الخامسة عشرة «يورو 2016» بفوزه على المنتخب الفرنسي صاحب الأرض والجمهور وحرمه من لقبه الأوروبي الثالث!

مع الثعالب.. لا مانع من تغيير الخطة!

في 2016 أيضًا، وفي إنجلترا هذه المرة، منحت مكاتب المراهنات نسبة واحد على 5 آلاف لفريق «ليستر» لكي يتوج باللقب، وكان الأمر طبيعيًا؛ لأن الفريق نجا بأعجوبة من الهبوط إلى الدرجة الأولى نهاية الموسم الماضي (2014-2015).

مع بداية موسم 2015-2016 لم يحقق سوى فوز وحيد خلال خمس مباريات، ليعود بعدها بأيام ويتصدر الدوري مجددًا في 11 يناير 2016 ويحافظ على الصدارة حتى يحقق البطولة لأول مرة في تاريخه (في 2 مايو 2016 قبل جولتين من نهاية الموسم) ولم يخسر خلال 37 مباراة سوى ثلاث فقط.

قبل أن يتولى الإيطالي كلاوديو رانييري تدريب نادي ليستر لُقب بـ«the tinker man» لاتباعه سياسة التدوير بين اللاعبين حينما درب فريق تشيلسي الإنجليزي على مدار أكثر من 12 عامًا. لكن الأمر مختلف في ليستر؛ فتكلفة لاعبيه جميعًا تبلغ 22.9 مليون إسترليني، وهي لا تكاد تكفي للبقاء، فضلًا عن أن ينافس على مركز متقدم أو حتى بطولة الدوري، والفريق نجا من الهبوط بأعجوبة؛ إذًا ما المانع أن يعمل المدرب وفق إمكانياته المحدودة ويعدل من خطته وسياسته؟!

بالفعل هذا ما فعله رانييري؛ فقد كان أقل من استخدم لاعبين خلال الموسم بين كل أندية الدوري الإنجليزي وحافظ على تشكيلة أساسية واحدة لليستر طوال الموسم ونادرًا ما أجرى تعديلات عليها. وبفضل ذلك، حطم مهاجمه جيمي فاردي الرقم القياسي في الدوري الممتاز بالتسجيل في المباريات متتالية؛ بإحرازه 13 هدفًا في 11 مباراة واختير «أفضل لاعب» بحسب جمعية الصحفيين. أيضًا رفيقه في الفريق رياض محرز (الجزائري) حصل على جائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي. كما قرر رجل الأعمال التايلاندي فيشاي سريفادانا برابا (مالك نادي ليستر سيتي) تقديم سيارة مرسيدس من طراز «ب إلكتريك درايف» لكل لاعب ساهم في إحراز لقب الدوري، إضافة إلى رحلة إلى «لاس فيغاس» مدفوعة بكافة التكاليف خلال الصيف المقبل؛ لأنه وعد لاعبيه وكامل الجهاز الفني لفريقه بهدية غير متوقعة في حال نجاح الفريق في الفوز ببطولة الدوري الإنجليزي لكرة القدم.

درس الفراعنة!

في مصر، وفي أول دروس 2017، بات المنتخب المصري قريبًا من تحقيق لقب بطولة الأمم الإفريقية السابعة في تاريخه، بعد ثلاث دورات لم يستطع حتى أن يحظى بالمشاركة فيها، ورغم حالة الاستياء التي عاشتها الجماهير طويلًا مع المدرب الأرجنتيني لمنتخب مصر وعدم اقتناعها به وبأسلوب لعبه، ولا بالعناصر التي يختارها؛ لكنه يدرك إمكانياته الشخصية جيدًا، ويختار العناصر التي تلائم قدراته هو ويحسن التعامل معها، لا كما يحسن الآخرون ويقولون.

لم يلتفت إلى النقد، آمن باختياراته والظروف المحيطة به، قرأ منافسيه برؤيته هو العقلية وبقدراته الذهنية وخبراته، حفّظ عناصره أسلوبه وما يريد أن يراهم عليه؛ حتى وإن كان مخالفًا لهواهم وراحتهم، لكنه سيحقق الغاية برؤيته!

ورغم حالة القلق التي عاشها المصريون قبل كل مباراة، وخلالها، وبصلواتهم ودعواتهم، وبمجهودات أبنائهم المجتهدين، تناسوا قلّة الخبرة، ويعدون أنفسهم للاحتفال بالبطولة التي لم تكن في مخيلة أحدهم يومًا أنهم سيصلون إلى نهائياتها مع مثل هذا المدرب!

ختامًا، يصف المختصون في علمي النفس والاجتماع وتأهيل الأفراد خطوات إذا اتبعوها حققوا أهدافهم؛ وتتمثل في: البداية نحو الهدف ببساطة، تسجيل الهدف المنشود، الالتزام بعادات يومية نحو الهدف، النظر على الهدف دومًا ومراجعة الخطة كل فترة ومعرفة ما نحتاجه، تنسيق الخطوات نحو الهدف، التعلم باستمرار، البعد عن العزلة، تقبل الانتكاسات المؤقتة، الوثوق في النفس وفي الخطة الموضوعة للهدف، ثم الاستمتاع بكل خطوة نخطوها؛ ففيها درس يفيدنا في الوصول إلى الهدف.

وإذا كان البرتغال (الملقب بالملّاحين) وليستر (الملقب بالثعالب) ومصر (الملقبة ببلاد الفراعنة) حصد كلٌّ منهم بطولة لم تكن في حسبان جماهيره ولو لمرة، فأليس هذا رسالة بأنه «لا يأس بعد اليوم»، وأنه من حقنا أن نمنح قلوبنا الأمل ولو لمرة واحدة كهؤلاء ونوقن بأننا قادرون على تحقيق أهدافنا مهما كانت الظروف القائمة، وبتعاملنا وفق الإمكانيات المتاحة والقدرات التي نملكها، ونحدّد أولوياتنا ونجهز الأدوات المناسبة؛ ثم نسعى إلى أهدافنا بيقين وعلم ونودع القاعدين: «لكم النقد واليأس، ولنا العمل والنصر»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد