يدخل دكتور سلطان إلى بهو الكلية مسرعًا ممسكًا بيده مجموعة من الأوراق وينادي بصوت عالٍ على أحد زملائه يا دكتور يا دكتور، يرد عليه الدكتور مصطفى أهلًا د. سلطان كيف حالك؟ يجيب عليه بصوت عالٍ «والنبي عندنا شغل عايزين نخلصه والعميد عايزه النهاردة» يرد الدكتور على بصوت طبيعي تمام لدي محاضرة الآن ويمكنني أن أساعدك عندما أنتهي. يستطرد د. سلطان بصوت درجة من المرتين السابقتين «يعني يا دكتور أقلك الشغل مستعجل ولابد من تسليمه اليوم وترد بأنك مشغول مينفعش كده أعمل إيه أنا؟ أنا عندي مية حاجة أعملها (يقصد مائة مهمة مطلوبة)» يمتعض د. مصطفى وينتقع وجهه حانقًا من الصخب الذي أحدثه د. سلطان بغير داع. ويهز رأسه حسنًا دعنا ننجز العمل الآن لا بأس من تأجيل المحاضرة. يرد عليه د. سلطان «خلاص بعد إيه شكرًا ما دام أنت مش عايز تساعدني خلاص أنا هقول للعميد محدش راضي يشتغل».

يقف د. مصطفى مشدوهًا لبرهة ومستغربًا من تصرف الدكتور سلطان، ولكنه اعتاد مثل هذه التصرفات الغريبة منه منذ أن عملا معًا منذ عدة سنوات ونظرًا لفارق السن الكبير بينهما والذي يماثل تمامًا فارق الترتيب الوظيفي يبتلع دائمًا د. مصطفى تلك التصرفات الطفولية من زميله الأكبر سنًا ويرد ذلك إلى محمل التأدب والاحترام مع الآخرين.

أطرق مصطفى مليًا يفكر في ذلك التصرف المكرر دائمًا من ذلك الشخص بعينه وكيف أنه اعتاد كلما طلبت منه الإدارة عملًا صغيرًا أو كبيرًا أن يصرخ ويقطع بهو الكلية ذهابًا وإيابًا باحثًا عمن يساعده فيه أو يقوم به بدلًا عنه. ومع أن د. سلطان يشغل منصب رئيس القسم ولديه فريق كبير يحيل إليهم كل ما أوكل إليه من مهام أولًا بأول ولا يبقى له شيء يقوم به إلا أنه دائم الصراخ والصياح. حتى إذا لقي أحد الزملاء سلم عليه بصوت عال جهوري حتى لكأنه يعلن عن نفسه في كل وقت وحين أنا هنا أنا هنا.

إنه يتعمد أن ينادي على أي أحد من زملائه يسقط عليه بصره وأن يجاذبه أطراف الحديث بصوت مرتفع وضجيج عال. ومع حضوره الصوتي المميز بتلك العلامة المسجلة من الصخب والإزعاج فإن حضوره الفعلي لا يتجاوز ساعة أو ساعتين يوميًا فهو آخر الناس قدومًا إلى العمل وأولهم مغادرة منه. وهو يتمتع بمهارة متميزة في الانسحاب المبكر من العمل وبمهارة متفردة في تفويض أعماله لمرؤوسيه.

وبدأ د. مصطفى يقارن بينه وبين الدكتور سلطان فمصطفى شخص هادئ رزين من أولئك الأشخاص الذين ينطبق عليهم الوصف «يعمل في صمت» إنه مسئول عن أعمال كثيرة ومهام متعددة وهو يقوم بها بنفسه وينجزها منفردًا وهو لا يحب الصخب ويكره الضجيج ولا يجيده ويقضي في عمله الوقت المطلوب منه وربما ضعفه ولا يحب أبدًا أن يفوض أعماله لأحد ليس فقط لأنه يعمل بمفرده وأيضًا لأنه تعود على أداء كل مهامه بنفسه وإتقانها دائمًا.

Embed from Getty Images

ولكن كيف تنظر إدارة الكلية لكليهما وكيف ترى أعمال كل منهما وأداءه وإنجازاته؟

لابد من الاعتراف أن نموذج د. سلطان بدا أنجع وأوقع وأكثر ظهورًا وأقوى حضورًا وأنه يثير إعجاب رؤسائه وأنهم ينظرون إليه نظرة المتفاني المقاتل في عمله وتأخذ عنه انطباعًا جيدًا ومميزًا. أما على الجانب الآخر فنجد د. مصطفى بدا جهده دفينًا وأقل حضورًا وأضعف أثرًا في نظر الإدارة وربما تعرض للوم أو للوصف بالتقصير أو غيرها من المشكلات.

الخواء الداخلي يحدو بصاحبه لتغليف هذا الخواء بمظهرٍ براق، وقد يتأتّى له ذلك من ادعاء ما ليس له من صفات، إن النموذج الهادئ المنجز المتقن لأعماله ربما يتوارى في بيئات العمل حولنا خلف النموذج الصاخب الذي يتقن إظهار الاندماج في العمل والانشغال به والشكوى من كثرته وأعبائه. إن جلبة الإعلان والصياح لتكون صورة ذهنية وحضورًا في أنفس الناس وتلقي بظلالها على تقييم الأداء لدى الرؤساء. وإن هدوء الطباع والاعتماد على الأعمال لا الأقوال لا يجد نفس التقدير ولا يثير ذلك القدر من الإعجاب.

إنه الإعلام الكاذب الذي يمسخ حقائق الأنفس فيحول الصخب إلى إنجاز والإنجازات الصامتة إلى هباء منثور. وإن جلبة الأجراس التي يعلقها أصحاب العربات في رقاب الخيل لتحدث صوتًا مميزًا وحضورًا كاذبًا لا يترتب عليه أي أثر أو أية نتيجة.

لا أدري كيف أصبح إحداث الصخب خير وسيلة للأداء الإداري والنجاح الوظيفي وكيف أصبح الإنجاز بلا صخب يساوي لا شيء وأصبح الصخب بغير إنجاز يساوي كل شيء.

ثمة علاقة عكسية بين قوة العقل وخوض اللسان في الأمور، وارتفاع الصوت.

إن مؤسساتنا الإدارية الآن مليئة بكثيرين يجيدون الإعلان عن أنفسهم ويتقنون فنون التواصل وبناء العلاقات وهم بذلك يتقدمون ويتمتعون بالنفوذ والسيطرة والحضور والقبول، وإن كثيرين ممن يتفننون العمل في صمت وإنجاز بغير استعراض لتتراجع مكانتهم ويتوارى تقديرهم لأنهم انطوائيون ولا يجيدون بناء علاقات واتصالات ولا يجيدون التلون والتملق. الذين يجب أن يواجهوا بحقيقتهم وأن يماط اللثام عن خدعتهم وأن ينظر إلى حقيقة إنجازاتهم لا ارتفاع أصواتهم. إن أولئك الثعالب الماكرين لا يقومون بأي جهد يذكر ويأكلون من صيد الآخرين المنهكين المتعبين.

إن لينوس تروفالذز وهو ذلك الشخص العظيم وهو الأب الحقيقي الذي يقف خلف تطبيقات عظيمة مثل لينكس وأندرويد وكثير من البرامج العملاقة التي لولا هذا الرجل ما ظهر الأندرويد ولا جوجل ولا فيسبوك. يقول تروفالدز عن نفسه «إنني أعمل وحيدًا في منزلي في غرفة خافتة الإضاءة وليس فيها أي قدر من المؤثرات الخارجية… إنني أستخدام حاسوبًا لا يعنيني أن يكون كبيرًا أو جبارًا وإنما ما يعنيني هو أن يكون صامتًا تمامًا لا يصدر أي قدر من الضوضاء فبالنسبة لي تعتبر أصوات مراوح التبريد في الحاسوب هي مصدرًا من مصادر الضوضاء… لا يمكنني العمل في مكان يوجد فيه أحد من الناس إن الصوت الوحيد الذي يمكنني أن أسمح به هو صوت قطتي».

ويضيف إنني شخص لا أحب التواصل مع الناس وأفضل التواصل معهم عبر البريد الإلكتروني وهو لذلك طور تلك البرمجيات مفتوحة المصدر والتي يعمل عليها فريق مكون من آلاف المطورين والمبرمجين حول العالم في بيئة تطويرية تقنية عبر شبكة الإنترنت. لقد عمل لينوس تروفالز مع الآلاف من المبرمجين بينما يجلس وحيدًا كما يحب.

يقول الأوزاعي رحمه الله: «إذا سمعتَ أحدًا يقعُ في غيره، فاعلم أنه إنما يقولُ: أنا خيرٌ منه».

إن جل المبدعين أمثال تروفالذز لا يجيدون العمل إلا في صمت ويبرهنون دائمًا أن عنصر العزلة هو عنصر حاسم في كثير من الأحيان للإبداع والتميز. إن الاجتماعات المفتوحة والنقاشات المتحمسة ليست منتجة على الدوام. إن معظم المجموعات تقوم بالانصياع لرأي الفرد الأكثر جاذبية وسلطة في الغرفة حتى لو كانت هذه الأفكار لا تمت بصلة للمشكلة المطروحة للنقاش. والأمر مثير بحسب الباحث آدم جرانت من جامعة وارتون حيث وجد أن القادة الانطوائيين يحققون نتائج أفضل من القادة المنفتحين.

فيا من وضعت في موقع الإدارة والمسئولية احذر أن تقع في ذلك الشرك وتلك المصيدة، واعلم أن الإنسان الممتلئ المتقن لعمله ليس لديه وقت للاستعراض والإعلام والصخب وأن الإنسان الفارغ المتفرغ من العمل هو ذلك الذي يكثر الإعلام والضجيج والصخب.

وقديمًا قالوا إن الأواني الفارغة أكثر قرعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!