«لا تزال بريطانيا الامبراطورية الاستعمارية القديمة، تحكم سيطرتها وتبسط نفوذها من خلال أجهزتها الأمنية الاستخباراتية على مناطق كبيرة من الشرق الأوسط، فهي من رسمت الحدود السياسية لهذه المنطقة، وهي من أسست جماعات، وصنعت دويلات، نما بعضها وتضخم في الحجم كفقاعة كبيرة لا وزن لها، وبيدها مفاتح كل شيء تحرّك وتوجّه، ويُجزم البعض أن لجهاز المخابرات البريطانية الخارجي (M16) اليد الطولي فعليًا في هذه المنطقة لدرجة يتوارى بجوارها جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية خجلًا كتلميذ أمام أستاذه».

من غريب أن العالم وقبل أن تصمت المدافع عشيّة الحرب العالمية الثانية، قد رُسمت خريطته بشكل يعكس رؤى وطموح الدول المنتصرة، فبزغت دول ونشأت دويلات ودُمجت أخرى في كيانات أكبر وفُتّت بعضها لأجزاء، وحسب هؤلاء وأولئك أن الأمر قد استقر، لكنه كان استقرارًا هشًا كقشرة أرضية تقف على هاوية زلزال كبير قد يعصف بها في أية لحظة، وهو ما حدث، فقبيل نهاية القرن العشرين رأينا أن الخارطة تستعيد وضعها الأول ببطء؛ فاختفت كيانات كبرى، وتحلّلت إلى سيرتها الأولى.. يبدو أن للتاريخ كلمته، وأنه لم يخضع لتصورات وطموحات الحلفاء، ولا لأجهزة استخبارات الاستعمار البريطاني.. والخارطة في حالة فوران مستمر، وربما لن تصل للاستقرار حتى تعود لوضعها الأول، حينما تتخلّص من هشاشتها الحالية.

الزلزال

ينشأ الزلزال حينما تصطدم طبقات القشرة الأرضية في الأعماق ببعضها البعض، كظاهرة طبيعية تخبرنا أن الأرض من الخارج ليست مستقرة، لكنها في حالة حراك وفوران دائمين، وللزلزال منافع كما أن له مخاطر ومضار، فهو بدرجته القصوى قد يبيد مناطق بأكملها ويفني حضارات، لكنه أيضا يقلّب الأرض فيجعل عاليها سافلها، ويُخرج لنا من بطنها ما كان مطمورًا ومخبوءً.

تمتلئ منطقة الشرق الأوسط الحديث بالكثير من الدول الهشة، صنيعة الاستعمار في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. وهي دول نشأت بالمؤامرات والدسائس، وبقوة السلاح والدم والنفط والمصالح، حينما امتزجت تلك العوامل مع بعضها البعض؛ فأنتجت لنا مسوخًا مشوّهة تتخذ مظهرًا برّاقًا كدول، بينما هي تتأرجح على برميل من البارود من الاضطرابات الطائفية، وبعضها لا يملك سوى الترهيب بالدين.

لذا لا غرو أن تضطرب المنطقة كل فترة زمنية؛ فتصبح كالعناصر المشّعة تظل فترات طويلة في حالة اضطراب، حتى تستقر في النهاية في صورة مغايرة لبدايتها (معادن رخيصة).

الدول المصطنعة هي نتوءات وضعها الاستعمار على غرار نظرية مسمار جحا، خرج من المنطقة كقوة عسكرية غاشمة محتلة بينما ظل عبئًا وكابوسًا مسيطرًا حتى الآن، عين على النفط. وأخرى على الوضع الاستراتيجي المتحكم في خطوط التجارة الدولية.

من غريب أن تكون الدول المستقرة في المنطقة (لا تُعد على أصابع اليد الواحدة) هي الأكثر فقرًا وعوزًا . بينما الدول المصطنعة هي الأكثر ثراء.

كان الاعتقاد (الخاطئ) أن بقاء تلك الدول (المصطنعة بمعرفة الاستعمار البريطاني والتي تقف خلف كافة أفكار وحركات التطرف) عامل أساسي في استقرار المنطقة، وكان الاعتقاد الأكثر خطأ، والذي تم الترويج له، أن غاية الفوضى الخلاقة الآن هي تفتيت تلك الدولة لدويلات وممالك متناحرة.

لكن تبيّن أن العكس هو الصحيح، وأن تلك الدولة المشبوهة تلعب دورًا حقيرًا في تأجيج كافة بؤر الإرهاب والتطرف بالفكر والمال بدون حساب، وأنها تدعم فكرة تفتيت المسلمين ما بين سنة وشيعة، وإذكاء روح الخلاف بينهم، لذا فإنهاء وجود تلك الدول المصطنعة أضحى أمرًا حيويًا وضرورة، وهو ما لن يسمح به الغرب أبدًا على خلاف المعتقد والسائد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد