وسط ضجيج الحياة وصخبها، الزحام في الطرقات، مصائب الدهر ونوائبه، وسط انشغال العقول، وجرح القلوب، وسط كل شيء نعاصره ونحياه، يبقى هنا بين طيات القلب شعورٌ لطيف، يهدئ من روع قلوبنا، ويطيب بنسائمه جراح الروح، ويسكن العقل ويسكنه، شعورٌ يربت على القلوب، ألَّا تحزنوا ولا تجزعوا، لا تبتئسوا فما دام الله موجودٌ فلا خوف ولا حزن، إنه الدفء الذي يزور أرواحنا كل يومٍ نكون فيه برفقة عائلتنا، نضحك ونتسامر، نشاهد فيلمًا سينمائيًّا شاهدناه عشرات المرات، ولكننا نحبه ونحب جمعتنا معًا أثناء مشاهدته، اجتماعنا حول مائدة الطعام، نتحدث عن يومنا وما كان فيه، فإن كان خيرًا زاد بيننا، وإن كان غير ذلك، تقاسمناه فغدا صغيرًا متضائلًا، شجارنا المصحوب ببعض «المصارعة» كما ندعوها نحن، وولوجنا إلى المطبخ متخفين لنلتهم الطعام بسرعة خوفًا من أن ترانا الأمهات، وننسى أنهم بالفعل يدركون ما ننوى فعله مسبقًا، الضحك الذي يتعالى صوته عند الأعياد والمناسبات، الدفء الذي نشعر به في الأفراح والأحزان. فأما الحزن فترى الجميع بجوارك في وقته، كالبنيان المرصوص، يشد بعضنا أزر بعض، فحزنك هو حزنهم، لا تعرف أعينهم للنوم طريقًا إلا بعد زوال هذا الحزن، وابتهاج قلب من كان تعيسًا، وأما عن الفرح فتراه يزداد بيننا، يكاد لا يتسع الكون لسعادتنا، يسر الجميع بأمر زفاف هذا، وترى الأقارب يدعون البعيد قبل القريب لمشاركتهم فرحتهم، وتلمح في أعينهم أن هلمّوا معنا، فبوجودكم يكون العيد عيدين.

هذا الدفء الذي نشعر به إن خططنا لأمرٍ ما، وسعينا وسلكنا كل سبل الوصول، مهما كلفنا إنجاز هذا الأمر من سهدٍ وأرقٍ وتعب، ففور تحقيق المراد، وملامسته لأرض واقعنا، تهدئ النفوس، وتطيب القلوب، وثمة شيء ما يربت على الأرواح أن اسعدوا، وابتهجوا، وتراقصوا على أنغام الوصول والجد والنجاح، وهو الدفء ذاته الذي نشعر به إن لم يحالفنا الحظ في تحقيق حلم ما، ألا تجزعوا، لا تخافوا ولا تحزنوا، وهنيئًا لكم، هنيئًا لقلوبكم بالصبر، ألا يكفيكم أن يكون الله معكم، ألا يكفيكم أن يمن عليكم بنعمةٍ توفون أجورها بغير حساب، وألا تظنوا أن سعيكم كان هباءً ،كلا وربي، بل سيكلل يومًا ما بالتتويج، بل في صبركم يتوج.

تشعر به الأم فور ولادتها لجنينها، فتنسى أشهر الحمل وما بها من تعبٍ وألمٍ،وتختفي أمامها آلام المخاض فور رؤيتها لصغيرها، وتبتسم عند أول شربة ماء يرتشفها الصغير، ويتراقص قلبها وقلب زوجها مع أول مرةٍ يلفظ فيها اسميهما من فم صغيرٍ لا يتجاوز العام والنصف، وتمر الأيام وتتوالى الذكريات بين ثلاثتهما، ومع كل حدثٍ تلمع الأعين، وتتطاير القلوب كما الطير الحر البهيج.

هو ذاته الذي يتجلى أمامك بعد توبتك وإقلاعك عن ذنبٍ ما، ألّا تيأس، وأبشر، فربك يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم، أن هيّا هرول إلى الله، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن، أن باب الله مفتوح دومًا، لا يوصد أبدًا.

عندما يضيق صدرك، وتضيق عليك الأرض بما رحبت، ثم تتوضأ وتصلي، وتشكو لربك همومك وأوجاعك، تبكي بين يديه سبحانه، تظهر أمامه تعالى كل ضعفك ووهنك، فيصغي إليك سبحانه وهو أعلم بك، ثم تشفى بآياتٍ بينات، ويذهب حزنك ووجعك، ويغدو بعيدًا عن قلبك الذي أسلمته لربك.

تشعر به بعد يومٍ شاقٍ في عملك، ثم تعود لبيتك لتنال قسطًا من الراحة، تحمد ربك على وجود نعمه التي لا حصر لها، وتتأمل السماء بأجرامها وتسرح فيهما، ولسانك لا يتوقف عن ذكر الله، وعيناك لا تتوقفان عن التأمل والتمعن في خلق الله سبحانه.

يتجلى هذا الدفء في حبك لأزهارٍ تراها أو ربما زرعتها بيديك، في الأشجار، في عيون المارة في الطرقات، وكل منهم مكتوب على عينيه قصته، ومحفورة على أخاديد الكبار منهم حكاياتٍ لا يكفى الزمن لقصصها.

فى وجبتك المفضلة، ومشروبك المفضل، برفقة شخصك المفضل والأقرب لقلبك بعد الله، في جمعة الرفاق يوم العطلة، إنه موجودٌ فينا وبيننا في كل وقتٍ وفي كل مكان، ينتظر منك أن تشعر بوجوده ليشعرك بقيمته، فتحمد الله عليه فيدوم.

الدفء في يومنا يتجلى في أبسط الأمور، في تلك التي نظنها عادية، وتلك التي مللنا منها، وفى كل موقفٍ يمر بنا ونمر به، فقط افتح قلبك، وأزل الغشاوة من على عينيك، حينها تنعم بوجوده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد