(١)
أخشى الكتابة، أتجنبها كصديق قديم أتحاشى النظر إلى عينيه كي لا أتذكر ما مضى، شاهد حي لا يذكر سوى التفاصيل والحقيقة والألم، تضغط الكتابة على بؤر الحزن في الروح بلا رحمة ولا تتركها إلا بالمزيد من الحزن، روح محبوسة داخل أسوار صدئة من ترسب الذكريات والمشاهد والأصوات، غرفة مظلمة يستبيحها القلم ويفتح أنوارها ليراها بوضوح فيزعج الجدران والعنكبوت والوهن، أتحاشى الواقع والذكرى، أقع فريسة مطاردة لا تنتهي رغم سد منافذ الذكرى بإحكام، ذبح وحرق وظلم وقهر وشجن، كيف أتعافى من صرخات الذعر ولون الدم؟

 

(٢)
– “أقول لك سر؟”
– “اشجيني”
– “بحاول أنتحر ومش عارفة خايفة أتوجع”
– “وجع إيه بس يا حبيبتي أنتِ لو انتحرتي هتموتي”
– “أيوة بس خايفة، خايفة يطلع عندي دم كتير وأوسخ الشقة بعد ما تعبت في تنضيفها”

 

(٣)
انتظرت عودته بفارغ الصبر، 3 سنوات لم أكن لغيره، وعدته بهدية يجلبها المولود معه من عالم آخر، ارتديت ملابس عجيبة تبدو كالمناديل الورقية وجلست أكافح الخوف وحدي، أخشى الحياة أكثر من الوفاة فالألم لا يُحتمل، نمت فوق سرير الولادة أنظر لأضواء قوية وفتاة تدخل الصورة حاملة قناعًا وتقول: “قولي بسم الله”، علمت أنني سأفقد الوعي حالًا وعلي تذكر كل دعوة وكل رجاء، نظرت لطاقة النور فوقي فرأيت وجوه من طلبوا مني الدعاء تتقافز في الفراغ وشعرت برغبة في البكاء لا وقت لها، وددت لو أنتهز الفرصة الذهبية هذه وأطلب منه السماح لي بالفرار خارج العالم لكن للأسف الثانية انتهت وفقدت الوعي.

قبل التخدير أكاد أقسم أنني لن أفقد الوعي ولن “يحوق” فيّ أي شيء ولكني أتوه عند أول قطرة بنج وأستيقظ في عالم أرى فيه من خلال أذني، أصوات تتأكد من سلامتي وأصوات تطلب مني التوقف عن سؤال: “هو عايش؟” “هو عايش؟” “والله عايش؟” ثم أبكي، كما تمنيت احتراف القتل عندما سمعت صوتًا يقول بحرارة مبالغ فيها: “عقبال الولادة الجاية يا ياسمين”.

 

 

وجدني في عالم آخر أنام وأستيقظ وهو لا يدرك ماذا حدث، أخذوه حتى لا يزعجني بعدما طلب الطبيب مبيتي في المستشفى، أين أخي؟ أين أنتِ؟ أين اللعبة؟ نظر لي بخيبة أمل وغبت عن الوعي وغاب من أمامي، أخبروني ببكائه المتواصل فصممت على عودته يوم خروجي من المستشفى، نظر لأخيه ونظر لي وقال: “ماما الحقي ده عنده عينين، وعنده بق، وفي ودان كمان”، “أنس حبيبي ماحدش قال إني هخلف ضفدعة على فكرة”.

 

(٤)
صعدت الروح وبقيت الصورة تحكي بشاعة القاتل بلا توقف، عجزت عن فعل أي شيء سوى النظر لعينيها المثبتة في الفراغ، أدخل الصفحة وأنظر لوجهها يضحك في صورة نشرتها بنفسها قبل الوفاة، بريق الحياة يختفي ويحل محله هيبة الموت، كلمات وضحكات وآمال ثم سيل من ضجيج وتعازي يهجم على الصفحة كالعاصفة، هل سمعت كلمات الرثاء وقرأت الرسائل؟ هل بكت مع الباكين وصرخت في وجه ناشر الصورة كيف ينشر صورة مهمة كصورتها بعد الوفاة دون إذنها؟ هل أجابت على سؤال صديقاتها “حبيبة أنتِ متتي بجد؟”.

 

لا أدري كيف تشرق الشمس وتتتابع الأيام والليالي بعد كل مذبحة كأن شيئًا لم يكن؟ كيف نستمر في الحياة والأكل والنوم بعد معاصرة المذابح؟ كيف نقتلع نظرة المغدورين من قلوبنا لتنبض من جديد؟ بل من يؤكد لي وجود قلبي في صدري بعدما رأيته يسبح مع نظرات الموتى في فلك بعيد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد