تعيش الدول الإسلامية في الأيام الخيرة من شهر أكتوبر (تشرين الأول) على وقع الرسومات الكاريكاتورية المهينة لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم تزامنًا واحتفال الأمة الإسلامية بالمولد النبوي الشريف، هذه الصور المتكرر الصادرة عن الدولة الفرنسية لم تكن الوحيدة وليست الأولى، بل صاحبتها حملة تشويه للدين الإسلامي والتي عبر عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقوله: إن الإسلام كديانة يعيش في أزمة؟ مباشرة بعد هذه التصريحات وقعت حادثة قتل أستاذ فرنسي على يد طالبه (صاحب الأصول الشيشانية) بعد أن حاول الأستاذ – حسب ما تم تداوله – نشر صور مسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ مما أثار غضب التلميذ على الرسول الكريم، فهب لقتله. هذه الواقعة كانت كفيلة بإعلان الدولة الفرنسية ككل حربها على الإسلام والمسلمين.

بداية لا بد لنا هنا من تحديد معنى «الهوية» التي ستجعل من الأخر يشكل تهديدًا مباشرًا علينا؟

الهوية باعتبارها القيمة المعيارية التي تجعل من الآخر متميزًا عن غيره (التميز هنا لا يعني بالضرورة أن يكون إيجابيًا) وتشمل كل ما يمكن تعريف الفرد عن الآخر بداية بالاسم، واللقب، والجنس، واللغة، والدين، والعادات، والتقاليد، والانتماء، وغيرها من رموز يمكن أن تعبر عن فرد وانتمائه لمحيطه. والهوية بذلك تعني كل ما يميزنا عن الآخر ليصبح الفرق بيننا يأخذ بعدًا مشابه لما وصفه صامويل هانتيغتون بعبارته «أنا والآخر» على مستوى فئة في المجتمع مقاربة بفئة أخرى، ثم ما تلبث أن تأخذ بعدا إقليميا ودوليا يتأصل في خطاب «نحن – الغرب» و«هم – أي الآخرون بما فيهم المسلمون» ذلك ما سيخلق لنا شكلًا جديدًا من الصراع على مستوى عالمي يأخذ بعدًا حضاريًا وهي الميزة التي ستطبع الصراع في القرن الحادي والعشرين.

افترض صامويل هنتنجتون، مفكر سياسي أمريكي وأستاذ جامعي صاحب أطروحة صراع الحضارات، أن المصدر الأساسي للصراع في العالم الجديد والانقسامات الكبيرة بين البشرية لا تتعلق بالجانب السياسي، ولا الاقتصادي، ولا العسكري، في المقام الأول، بل ستأخذ بعدًا ثقافيًا ودينيًا، كما أن الصراعات الرئيسة في السياسة العالمية ستحدث بين الدول ومجموعة من الحضارات المختلفة، وسيهيمن صراع الحضارات على النظام الدولي الجديد، وسيكون الاختلاف الحضاري القائم على الهوية والانتماء محركًا أساسيًا للصراع في المستقبل.

إن الجزء الأكثر تأثيرًا في أطروحة هنتنغتون فتتعلق بطرحه فكرة «الإسلام المتطرف»، إذ جادل أنه مع نهاية الحرب الباردة بين روسيا السوفيتية والغرب سيتم استبدال بها صراع جديد بين اثنين من الأعداء لا يمكن التوفيق بينها: الإسلام والغرب. وذلك ما يتجسد وبشكل كبير في الإستراتيجية الهجومية الفرنسية على الإسلام، وعلى مختلف المستويات حتى بات الإسلام كتهديد مباشر على الأمن والاستقرار الفرنسي.

أمننة الهوية في الخطاب الفرنسي: المضامين والأهداف؟

يقتضي مصطلح «الأمننة – Securitization» جعل قضية ما تأخذ بعدًا أمنيًا بامتياز عبر استخدام سلسلة طويلة ومركبة من ألعاب العقل والتشويش، ولغة الخطاب لدى صناع القرار بهدف التأثير على الرأي العام، وفي مستوى آخر جعل هذه القضية على أعلى هرم اهتمام الدولة، ولعل ما يقدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خرجاته الأخيرة والمتكررة حول مسألة الإسلام تقدم تطبيقًا حرفيًا لمفهوم الأمننة.

عمل الرئيس الفرنسي من الإسلام والمسلمين مسألة أمنية في خطاباته وسياساته وأهم مشاريعه السياسية التي ينبغي إيجاد حلول لها متناسيًا الأزمة الصحية التي تشهدها البلاد والمتعلقة بجائحة كورونا (covid_19)، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة الفرنسية ما جعلت المظاهرات تعم البلاد منذ السنة الماضية، والتي عبرت عنها مظاهرات السترات الصفراء. أما على الصعيد السياسي فالرئيس ماكرون يعرف تراجعًا كبيرًا لشعبيته في مقابل أحزاب اليمين المتطرف وهو الأمر الذي سيؤثر عليه مستقبلًا في الانتخابات الرئاسية لسنة 2022.

بالرغم من هذه المتغيرات التي تعرفها الدولة الفرنسية، إلا أن ماكرون اتخذ من الإسلام والمسلمين هدفًا مباشرًا لإعادة تسويق نفسه وسياسته من خلال جعل أمن الدولة الفرنسية مرتبطًا بالتهديدات التي يفرزها الإسلام والمسلمين، لكن كيف أصبح التعدد الهوياتي متغيرًا أساسيًا في خطاب الكراهية؟

أولًا: لعل أهم عامل ساهم في تنامي صور التطرف الديني (باعتبار الدين جزء من الهوية) تعود إلى الخطابات المتعصبة التي ترى في الآخر عدوًا وتهديدًا مباشرًا على تواجدنا، والتي جسدها بشكل جيد الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» من خلال محاولة أمننة البعد الهوياتي في العديد من خطاباته، وفي تصريحات المسؤولين الفرنسين في مناسبات مختلفة، ويتجلى خطاب الكراهية في كل قول أو سلوك، أو فعل علني، يحرض على العنف، أو يدفع إلى إثارة الفتنة المجتمعية، ويأخذ تعريف خطاب الكراهية توصيفات عدة، وفي مجملها ترى بأنه أي نوع من الحديث أو الخطابات يتضمن هجومًا أو تحريضًا أو انتقاصًا أو تحقيرًا من شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب أن أحدهم، أو بعضهم، أو جميعهم، يحملون صفة إنسانية مميزة مثل العرق، أو الدين، أو النوع الاجتماعي، أو الإعاقة، أو الرأي السياسي، أو الطبقة الاجتماعية، أو الهوية الجنسية إلى آخره، أو يرتبطون بأشخاص حاملين لتلك الصفة. وعادة يستخدم هذا الخطاب أو يتطور ليؤصل وينشر دعوة إلى الكراهية والتمييز ضد حاملي تلك الصفات (كما عرفه مركز هرود للتعبير الرقمي في مشروع خاص بخطابات الكراهية 2016 ).

وفي هذا السياق نجد الرئيس الفرنسي يهاجم الدين الإسلامي في خرجة غريبة له وبدون أية مناسبة، وجعل بذلك الدين الإسلامي وأكثر من 1.9 مليار مسلم ممن يعتنقون الديانة الإسلامية في شك من نوايا الخطاب الفرنسي والتساؤل عن دلالة ذلك في هذه المرحلة بالتحديد والحديث عن عودة التطرف الفكري الفرنسي للواجهة من جديد.

ثانيًا: عودة أصول التطرف تحت مصوغة حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام من خلال استخدام وسائل الإعلام المختلفة، والتي كانت سباقة في محاربة الإسلام والمسلمين من خلال الرسومات والكاريكاتور الساخر لصحفية شارلي إيبدو وما نتج عنها سنة 2015 من موجة غضب وتسبب في مهاجمة مقر الصحيفة، وإقدام متشددين على قتل عاملين بالمجلة بالرصاص لنشرها رسومًا ساخرة تصور النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

عملت وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة على الإساءة للآخر تحت مصوغة مبدأ حرية التعبير، لكن الغريب أننا نجد مفهوم حرية التعبير مميعًا بشكل يخدم مصالح البعض على حساب الآخر، فالدول الغربية، وفي مقدمتها الدولة الفرنسية تعتبر تطاولها على المسلمين والسخرية من الدين الإسلامي حرية تعبير، في حين أن أي شخص آخر يقوم برفض هذا التصرف أو يحاربه تعتبره تطرفًا دينيًا، وهنا لا بد عن الإشادة بقول المفكر نعوم تشومسكي: «إذا لم نكن نؤمن بحرية التعبير لمن نحتقرهم فنحن لا نؤمن بها على الإطلاق».

ثالثًا: الاستخدام الواسع والحر لوسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ باتت الوسائط الاجتماعية على غرار «فيسبوك» و«تويتر» منابر إعلامية للشخصيات الرسمية وغير الرسمية للتعبير عن آرائها ومعتقداتها بخصوص العديد من القضايا ذات البعد الهوياتي (الديني)، بعد التصريحات التي عبر عنها الرئيس الفرنسي والمسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام شهدت وسائل الاعلام العربية (الدول الإسلامية) تفاعلًا غير مسبوق من خلال استخدام الوسم (الهاشتاغ) الرافض لمثل هذه الإساءات، وأصبح للفرد العربي دور ومساهمة للتأثير في السلوك العام وحتى السياسي باعتباره وسيلة ضغط على حكومات بلاده لتتماشى والوضع الراهن.

الواضح أن خطابات الكراهية باتت أحد مظاهر الصراع الحالي في النظام الدولي الجديد، ففي وقت تعاني الدول من جائحة عالمية تؤرق سياسات الدول الداخلية والإقليمية والدولية، بالإضافة إلى انعكاساتها الاقتصادية والأمنية والصحية على الفرد والمجتمع والدولة مستقبلًا، إلا أن الدولة الفرنسية التي تعتبر من أكبر الدول الأوروبية والعالمية التي عجزت عن إدارة الوضع الداخلي للدولة في عهد ماكرون، سواء قبل ظهور جائحة كوفيد-19 أو في خضمها وهو ما تعبر عنه الأرقام القياسية والخيالية التي تسجلها الدولة يوميًا من حالات الإصابة بالفيروس، إلا أنها تسير في تعتيم الوضع الداخلي من خلال خلق جدل من نوع هوياتي (حضاري) يوازي حجم الضعف المؤسساتي والإستراتيجي الذي تشهده الدولة.

بالرغم من أن محاولة الدول الفرنسية أمننة الهوية وجعل الإسلام والمسلمين أولى مشاريعها الأمنية، إلا أن ذلك لن يجعل من الدولة الفرنسية، ولا الرئيس الفرنسي، قادرين على مواجهة مخلفات الوضع الداخلي للدولة وعلى مستويات مختلفة، وفي المقابل لن يجعل من فرنسا بلدًا أكثر ديمقراطية، ولا مهدًا للانبعاث الحضاري والتعايش السلمي بقدر ما يجعل منها دولة عاجزة عن تقديم نموذج ثقافي يحترم الآخر ويقدر البعد الهوياتي فيه، وأي بلد يجعل من الهوية متغيرًا في صراعه مع الآخر ما هو إلا بلد متطرف بامتياز.

يقول مالك بن نبي: «أي إخفاق يسجله مجتمع في إحدى محاولاته إنما هو التعبير الصادق عن درجة أزمته الثقافية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد