منذ سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في أكتوبر تشرين الأول 2011، بدأ الجنوب الليبي تحديدًا يحظى باهتمام خاص من قبل فرنسا، وذلك لارتباطه بمصالح أمنية واقتصادية مرتبطة بشكل مباشر بالجمهورية الفرنسية وسياساتها الخارجية والدولية، وتحديدًا في مستعمراتها السابقة مثل:

(تشاد والنيجر)، على اعتبار أن كلا الدولتين ترتبطان بحدود شاسعة مع الجنوب الليبي، والذي من شأنه تهديد أمن النظام الحاكم الموالي لفرنسا في كلتا الدولتين, فبالنسبة لتشاد على سبيل المثال يعتبر الجنوب الليبي بمثابة الملجأ الآمن للمتمردين المعارضين لحكم الرئيس التشادي إدريس ديبي، مما قد يتيح لهم مستقبلاً شن هجمات ضد النظام الحاكم في أنجامينا (الموالي لفرنسا) انطلاقًا من الجنوب الليبي وخاصة في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح والحدود التي تعتبر شبه مفتوحة.

ذلك كله على الرغم من وجود قاعدة عسكرية فرنسية في عمق الأراضي التشادية والتي بطبيعة الحال من مهامها الرئيسية الحفاظ على استقرار نظام إدريس ديبي؛ لأن من المُسلم به أن إحداث أي تغيير في النظام التشادي في المرحلة الحالية لا يصب بحال من الأحوال في مصالح الجمهورية الفرنسية، بسبب أن نظام إدريس ديبي يتيح لفرنسا فعل كل ما تريده في تشاد سواء اقتصاديًا أو أمنيًا من حيث إنشاء قواعد عسكرية، أو نشر قوات على الأرض، أو التنقيب عن المعادن الثمينة.

أما بالنسبة للنيجر فالمصالح الاقتصادية فيها لفرنسا أكثر أهمية من الجانب الأمني حيث تعتبر النيجر هي المصدر الرئيسي للشركات الفرنسية المختصة بالتنقيب عن اليورانيوم، وعلى وجه الخصوص شركة (أريفا)، التي لها ارتباط مباشر بحكومة باريس، وتكمن أهمية استخراج فرنسا لليورانيوم من النيجر في كونه يعتبر العنصر الأهم في صناعة المفاعلات النووية سواء لأغراض سلمية كتوليد الكهرباء وغيرها، أو لأغراض عسكرية كصناعة القنابل النووية، ومن هنا تبرز المصالح الفرنسية في كل من تشاد والنيجر، والذي من شأن الجنوب الليبي المحاذي لكلا الدولتين أن يهدد المصالح الفرنسية ولو على المدى المتوسط، في حالة عدم توفر الاستقرار في تلك المنطقة، وفي ضوء بقاء الجنوب الليبي خارجًا عن سيطرة كل من حكومتي طرابلس وطبرق.

إن من ضمن العوامل التي جعلت الجنوب الليبي في بؤرة الاهتمام الفرنسي هو ارتباطه بما تعتبره فرنسا أيضًا إحدى مناطق نفوذها الرئيسية في القارة السمراء، وهي دولة (مالي).

حيث أن غالبية سكان شمال مالي من قبائل الطوارق والتبو، كما أن غالبية سكان الجنوب الليبي أيضًا من قبائل الطوارق والتبو مما يعني أن هناك تواصلاً وترابطًا سكانيًا ديموغرافيًا بين جنوب ليبيا وشمال مالي، وذلك على الرغم من عدم وجود حدود برية بين البلدين. وبناءً على ذلك فإن سقوط نظام العقيد الراحل القذافي في أكتوبر 2011، جعل من دولة مالي قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، وذلك لأن القذافي ونظامه لعبا دورًا كبيرًا في إرساء الأمن والاستقرار في مالي منذ تولي الرئيس المالي السابق (أمادو توماني توري) مقاليد الحكم في عام 1991، وذلك على إثر انقلاب عسكري.

ومن هنا قام القذافي باستجلاب عناصر النخبة من الجيش المالي وتعيينهم كعناصر نظامية في الجيش الليبي؛ بغية توفير بيئة سياسية آمنة مستقرة في العاصمة (باماكو)، بقيادة أمادو توماني توري، ومنع حدوث أي انقلابات عسكرية في داخل مالي. وبناءً على المعطيات السابقة كان من البديهي أنه بمجرد سقوط نظام القذافي أن تعود النخبة المالية إلى بلادها، حيث أنها فقدت دورها ومكانتها في ليبيا في ضوء حكم السلطات الجديدة في طرابلس.

 

فكان من نتائج ذلك أن حدث انقلاب عسكري في مالي بقيادة النقيب (أمادو سانوغو) في 22 مارس 2012، ثم حدث لاحقًا إعلان انفصال شمال مالي عن جنوبه، وإعلان دولة للطوارق في شمال مالي باسم (دولة أزواد) بدعم مباشر بالمال والسلاح من أبناء عمومتهم في الجنوب الليبي.

وذلك في ضوء فوضى انتشار السلاح في ليبيا، وسهولة نقله من ليبيا إلى مالي عن طريق بعض الدروب الصحراوية الآمنة.

وعند هذه النقطة تحديدًا يأتي دور اللاعب الحاضر الغائب وهو (فرنسا)، حيث أرسل الرئيس المالي الانتقالي (ديون كوندا تراوري) نداء استغاثة إلى حليفته فرنسا للتدخل العسكري؛ لمساعدته على الحفاظ على وحدة بلاده.

 

وكان الهدف المُعلن لفرنسا أن التدخل العسكري هدفه إعادة وحدة الدولة ومكافحة الإرهاب في شمال مالي (جماعة أنصار الدين – جماعة التوحيد والجهاد). ولكن ما يعلمه القاصي والداني أن الهدف الحقيقي لباريس هو الحفاظ على النفوذ الفرنسي في مالي، والقضاء على المخاطر الأمنية التي تهدد المصالح الفرنسية في المنطقة.

حيث تتمتع فرنسا بمصالح اقتصادية واسعة في عموم دولة مالي شمالها وجنوبها حيث يمتلك البلد موارد معدنية هائلة مثل: الذهب والحديد والبوكسيت، ويشكل الذهب العنصر الرئيس في صادرات جمهورية مالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد